هل فقد النظام الرأسمالي.. صلاحيته للاستمرار؟

[email protected]

يتعرض النظام الرأسمالي ــ في هذه الأيام ــ لسلسلة من الأزمات والإخفاقات التي يمكن اعتبارها إيذاناً بقرب ســقوط هذا النظام وأفوله. وإذا كنا قد اعتبرنا ســقوط النظام الاشتراكي ــ مع بداية تسعينيات القرن الماضي ــ هو الجناح الأول من الحضارة الغربية، فإن ســقوط النظام الرأسمالي الذي بدأ يتداعى بشــكل يهدد استقرار النظام الدولي واستمراره.. يعتبر اقترابا من سقوط عمودي الحضارة الغربية.
ورغم أن مصطلح النظام الرأسمالي هو مصطلح اقتصادي عالمي .. إلاَ أن هذا المصطلح أصبح يعبر عن النظام الدولي في كل مجالاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا أحد ينكر حجم التأثيرات المتبادلة بين الاقتصاد الدولي والسياسة الدولية اللذين أصبحا وجهين لعملة واحدة.
إن عجز النظام الرأسمالي عن علاج الكثير والكثير من الأزمات الدولية ومن أهمها صعود أسعار النفط بشكل لا تبرره قوانين العرض والطلب، وكذلك استمرار انخفاض الدولار الأمريكي كعملة رائدة إلى أدنى مستوى، وتشـُرخ نظام الائتمان الدولي، وصعود أزمة الغذاء العالمي التي حذر منها أمين عام الأمم المتحدة ويخشــى أن تنقلب إلى مجاعة تجتاح الدول الفقيرة.. كل هذه الإخفاقات تؤكد أن النظام الرأسمالي ــ بصيغه التقليدية ــ عاجز عن حماية النظام الاقتصادي والسياسي الدوليين.
إن الدول الرأسمالية الكبرى التي باتت تتخبط في البحث عن بدائل للطاقة.. لجأت إلى المحاصيل الزراعية لكي تســتخرج منها ما يسمى بالوقود الحيوي، ومع الأسف أحدث هذا الفعل نقصاً كبيراً في الكميات المتاحة من السلع الزراعية، وهذا بدوره أدخل العالم في أزمة غذاء عالمية قد تؤدي ــ كما أشرنا ــ إلى مجاعة تجتاح دولاً كثيرة.
كذلك فإن عجز النظام الرأسمالي عن حل أزمة الرهن العقاري التي طالت جميع البنوك والمؤسسات المالية في كل أنحاء العالم.. يؤكد أن هناك عجزاً واضحاً في قدرة النظام الرأسمالي على مواجهة الأزمات، أكثر من هذا فإن النظام الرأسمالي الكسـيح، حينما أعيته الحيلة وعجز عن حل مشكلة ارتفاع أسعار النفط هدد منظمة أوبك باللجوء إلى محاكمات دولية غير مشروعة، وإذا دخل النظام الرأسمالي في هذه المحاكمات غير المشروعة، فإنه ســيخرج منها خاســراً ليؤكد أنه استنفد كل أسـلحته وكل الأدوات التي يملكها، وإنه ليس لديه أســلحة يســتطيع أن يستخدمها ليصمد أمام الأزمات التي أخذت تنهشــه من كل جانب.
أمَا على الصعيد الطبيعي فإن الدول الكبرى المؤسسة للنظام الرأسمالي تســببت في تخريب المناخ فوق الكرة الأرضية.. حتى أصبح الاحتباس الحراري الآن يهدد الحياة فوق الكرة الأرضية، ولا شك أن الزلازل والبراكين التي ضربت إندونيسيا واليابان والفلبين ثم الصين، والسيول الجارفة التي أغرقت المدن ودمرت القرى قد كلفت العالم الكثير من الأموال والموارد. الأخطر من هذا هو أن أتساع فتحة الأوزون وبالتالي ارتفاع درجة الحرارة.. سيقلص المحاصيل الزراعية في العالم، ونذكر على سبيل المثال أن ارتفاع درجة الحرارة بنسبة 1 في المائة سيقلص محصول الأرز بنسبة 10 في المائة.
فضلاً عن ذلك فإن تفشي الفســاد المالي والإداري وانتشار المخدرات على نطاق عالمي واسع مع ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في كل دول العالم، وعجز النظام الرأسمالي عن حلول ناجحة وناجعة لهذه الأزمات المتزايدة يؤكد أن النظام الرأسمالي فقد أهليته لحل كل هذه المشكلات والأزمات الأممية.
وهكذا فإن عجز النظام الرأسمالي الذي بدأ يتسع.. أحدث ما يشبه الفوضى في كل أروقة الســوق العالمي.. وأدى إلى زيادات في أسعار السلع والخدمات لم يسبق لها نظير في التاريخ، ولذلك تمخضت هذه الزيادات عن زيادة معدلات انتشار الفقر في العالم، وأدت هذه الزيادات إلى تقويض مشاريع محاربة الفقر التي تتبناها منظمة الأمم المتحدة وغيرها من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإقليمية والمحلية، ولاشك إذا كان الفقر يزداد ويتسع في العالم، فإنه مؤشر مهم يؤكد عدم صلاحية استمرار قواعد النظام الرأسمالي.
ونستطيع القول إن الأزمات التي تجتاح النظام الاقتصادي الدولي أصبحت جزءاً أصيلا في النظام الرأسمالي الذي أبتلى بكثير من الأوبئة والأمراض. ولذلك فإن النظام الرأسمالي الذي شــارف عمره على 200 عام بدأ يعاني الترهل والشيخوخة.
ولذلك فإن المشــهد الدولي الآن يبدو وكأنه يعيش في ظل نظام دولي ضعيف ومتهالك، وأن أدواته ضعفت وهزلت، وأن العالم تحوطه الأزمات العاصفة من كل جانب، وإن النظام الدولي يقترب من الدخول في مرحلة جديدة من المراحل التي ستقفز على مرحلة ما يســمى عصر العولمة.
هذه الأزمات المتلاحقة والمتزاحمة التي عجز النظام الرأسمالي عن حلها.. تثبت أن النظام الرأسمالي العاجز.. بدأ يتداعى ويفقد صلاحيته على الاستمرار ويشرف على السقوط.
وإذا ســلمنا بعجز النظام الرأسمالي في حل الأزمات التي يواجهها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل النظام الاقتصادي الإسلامي يمكن أن يكون بديلاً للنظام الرأسمالي ولديه إمكانات مواجهة أزمات هكذا؟
الواقع إن الفكر الاقتصادي الإسلامي مازال يواجه مثل هذه التحديات، ومازال يسعى جاهداً للوصول إلى بناء نظرية إسلامية في الاقتصاد الدولي، وعلماء وفقهاء الاقتصاد الإسلامي يسترشدون في محاولاتهم العلمية الشاقة بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والتجارب الاقتصادية السابقة في عصور الحضارة الإسلامية الزاهية، يقول الله سبحانه وتعالى: "والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين"، ويقول البارى عز وجل: "الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار ، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار". وقال ـ صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار"، وقال: "الجالب مرزوق، والمحتكر خاطئ"، وقال: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس".
والجهود العلمية من قبل العلماء المسلمين ما زالت ماضية ومتوالية، والأمل يحدونا جميعاً في الوصول إلى فروض تساعد الفكر الإسلامي على بناء نظرية إسلامية اقتصادية تتولى المسؤولية الدولية التي لم يعد من السهل مواجهة أزماتها ومشكلاتها التي أصبحت بحجم هذا الكون المعقد الشاسع الكبير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي