استثمارنا الغذائي في الخارج (1 من 2)
شهدت أسعار الحبوب في العالم كله ارتفاعا مستمرا في الآونة الأخيرة، أدى في أوائل هذا العام إلى تفجر أشد الأزمات الغذائية منذ الحرب العالمية الثانية. الأمر الذي دفع هيئة الأمم المتحدة لتوجيه نداء لجميع دول العالم لمد يد العون والتبرع بالأموال إلى جهاز الأمم المتحدة لمساعدة الدول الأشد فقرا. وهو البرنامج الذي استجابت له بلادنا فقدمت دعما سخيا جدا مقداره 500 مليون دولار. وكان مجلس الوزراء الموقر قد شكل لجنة خاصة للنظر في هذه الأزمة، اجتمعت مع رجال الأعمال المعنيين بتجارة المواد الغذائية للنظر في سبل توفير الغذاء وحماية أمننا الغذائي.
وسألت صديقنا وأخانا رجل الأعمال الأستاذ خالد زيني عن وجهة نظره في الأزمة. فكان من المؤيدين لفكرة توسيع استثماراتنا الزراعية والحيوانية في الخارج. وكنت بحكم تخصصي أصغى لما يقول باهتمام، لإدراكي أن التجار الممارسين لنشاط معين يرون ما لا يرى غيرهم. فالسنوات الطويلة التي يقضونها في التجارة تكسبهم دراية عميقة بأحوال السوق وتقلباتها وأسرار التجارة واتجاهاتها. ثم يدلهم طول الممارسة، بعد حين من الزمن، على أن الوقت قد أصبح مناسبا للانتقال من تجارة جلب البضائع إلى المساهمة في إنتاجها. وهي خطوة ضرورية حتى يكون لتجارنا كلمة مسموعة ويد مؤثرة وقوة مسيطرة على ما يجلبونه من بضائع ومنتجات، خاصة إذا كانت الدول المصدرة تمتع بمزايا نسبية في التكاليف وأساليب الإنتاج، وتتبنى قوانين جاذبة للاستثمارات وبيئة عمل معينة عليها.
ولقناعة الأستاذ خالد زيني بجدوى الاستثمار الزراعي أقدم منذ فترة على شراء أرض زراعية شاسعة في السودان لهذا الغرض، ومازال يجاهد لتنفيذ أفكاره لكن القناعة من طرف واحد لا تكفي. ولذلك لم يخف أسفه لتأخر مجتمعاتنا العربية عن ولوج الاستثمارات الزراعية والحيوانية المشتركة. ففي الوقت الذي امتدت استثماراته إلى البرازيل - على ما بيننا وبينها من بعد جغرافي يجعل النقل البحري يستغرق ثلاثة أسابيع - إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من تأسيس استثمار زراعي ملموس في دول عربية قريبة كالسودان، برغم كل مزايا السودان الشقيق من حيث خصوبة الأرض، ووفرة المياه، ورخص الأيدي العاملة، وقربه الجغرافي حيث يستغرق النقل البحري بيننا يوما واحدا!
الموقف من الاستثمار في السودان يتنازعه بين رجال الأعمال فريقان: فريق يرى أن أغلب المشاريع السابقة كانت فاشلة وخاسرة لسبب أو لآخر. وفريق يرى أن نجاح بعض المشاريع الزراعية، كمشروع الصمغ العربي ومشروع تكرير السكر، دليل على إمكانية تكرار التجربة لو ركزنا على اكتشاف ومعرفة أسباب نجاح تلك التجارب وخاصة من الناحية الإدارية. وفي حديث مع بعض المهتمين جرى في منزل أخينا عماد المهيدب، رأى بعض رجال الأعمال أن الاهتمام والدعم الذي أبدته حكومتنا أخيرا يعزز من موقف الفريق المتفائل.
ورب ضارة نافعة، فقد جاءت أزمة الغذاء العالمية أخيرا لتدفع قدما بفكرة تضافر رأس المال الخليجي الممزوج بخبرة رجال الأعمال الخليجيين التنظيمية والإدارية، مع الموارد الطبيعية والبشرية الوفيرة في بعض الدول العربية الأخرى، وتعطي الاستثمار الزراعي زخما طالما كنا في حاجة إليه.
ولا شك أن قيام المشاريع المشتركة بيننا سيعمل على استثمار طاقات وموارد كثيرة مهملة، وتوظيف قوى بشرية معطلة، وإنتاج سلع عديدة ناقصة، وفوق هذا وذاك ستساعد هذه المشاريع المشتركة على تحقيق الأمن الغذائي لأمتنا وربط مصالح الشعوب بعضها ببعض. ومن مصلحتنا أن نوظف بعض أموالنا في دول شقيقة محيطة بنا. فقد روى الدكتور مهاتير محمد أن السياسة التي تبناها لتشجيع ومساعدة الدول المحيطة بماليزيا في جهودها التنموية كانت بذاتها من عوامل نهضة ماليزيا ونجاح برامج التنمية فيها.
ما عقبات تنشيط الاستثمار الزراعي في السودان؟ وكيف السبيل للقضاء على ذلك؟ نتابع الحديث في الأسبوع المقبل بحول الله.