رؤية ورسالة ملك Vision & Mission
اهتمت كتب الاستراتيجية بموضوعي الرؤية والرسالة Vision & Mission قيمتهما وصيغتهما، دورهما وأهميتهما لصناعة مستقبل استراتيجي بين ومقيم. برزت أفضل الممارسات في عالم الأعمال بينما بقيت التطبيقات محدودة على مستوى الحكومات والدول وانعزلت الأمة العربية تماما وكل ما قدمته في هذا المجال لم يتجاوز ممارسة فكر الآخر وتقليد مقنن دونما إبداع حقيقي وتطوير يتناسب مع فكر وثقافة الأمة. وهذا ليس بمستغرب فالإبداع لا يأتي به من قيد فكره بالمفاهيم والمعايير وبالإجراءات والأساليب المعلبة بل ممن انطلق تفكيره وتحرر فؤاده من قيود الوهم وقليل ما هم. في هذا المقال إضاءة لأسلوب فريد أبدعته عبقرية فذة في التفكير الاستراتيجي ورسم طريقه.
هي رسائل أبدعها ملك لينير لأمته طريق مستقبلها بأسلوب عبقري متجدد ومتفق مع مورث ثقافي عظيم مستمد من السيرة العطرة للنبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم. من تبع خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله - في كل مناسبة سيجد رسائل واضحة المعاني صيغت في كلمات منه معدودة أو أفعال مدروسة تشير إلى استراتيجيات عميقة ورؤية بصيرة لما يجب علينا أن نفعله ونصل إليه. رسائل برغم عمقها الاستراتيجي وأثرها المهم فهي تتسم بالبساطة والوضوح وسهولة الفهم من جموع المتلقين على اختلاف مستوياتهم العلمية وخبراتهم العملية. رسائل يفهمها المواطن البسيط ويعمل وفقا لها الوزير التكنوقراطي. ولو أنني تتبعت المناسبات التي شرفها خادم الحرمين الشريفين والمشاريع التي تفضل بافتتاحها أو وضع حجر الأساس لها لعرض رسائله ـ حفظه الله ـ إلى شعبه وأمته الإسلامية لتطلب الأمر كتابا ولكني أستعرض في هذا المقال آخر تلك الرسائل من وجهة نظري.
ففي احتفالات شركة أرامكو تفضل خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - بتسليم حجر الأساس لمشروع مركز الملك عبد العزيز للإثراء المعرفي إلى طفلين (طفل وطفلة) ليضعاه في مكان تأسيس المركز. لم تكن القصة طفلين وتجديد أو تطوير بروتوكولات وضع حجر الأساس بل رؤية استراتيجية واضحة Vision ورسالة ومهمة أمة وقصة التزام Mission. طفلين (فتى وفتاة) في احتفالات مرور 75 عاما على النفط هي رؤية التقاء الأجيال على مسيرة البناء وامتداده من الماضي إلى المستقبل ومهمة أن يسلم الآباء المجاهدين بكل شجاعة مسؤولية المحافظة على الإنجازات وعهد الاستمرار في البناء إلى الأحفاد المجتهدين بلا تميز . عندما يسلم خادم الحرمين الشريفين مهمة وضع حجر الأساس لمركز الملك عبد العزيز للإثراء المعرفي للجيل المقبل فإن مهمة ذلك الجيل تكمن في المعرفة وإثرائها فلقد تجاوزنا مرحلة الاعتماد على الآخر وتجاوزنا رحلة التجربة والخطأ غير المستندة إلى منهج علمي ومعرفي متقدم وعلينا الآن إعداد الجيل المقبل وعليهم خوض السباق المعرفي منطلقين من قواعد نؤسس لها اليوم. لم يكن وضع حجر الأساس مجرد مناسبة تقليدية بل فاصلا زمنيا تاريخيا، لذلك لم يكن مستغربا أن يركز حوار مجلس الوزراء لهذا الأسبوع على مجتمع الإنتاج المرتكز على المعرفة.
ومع تعدد المناسبات يرسم خادم الحرمين الشريفين رؤيته ومهمة شعبه التي تتفق مع كل مناسبة. "اللهم رخص الحديد" دعاء يمثل رؤية ورسالة في آن معا. يذكرنا خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله - وهو يضع حجر الأساس لمشروع توسعة الشركة السعودية للحديد "حديد" أن الأعمال العظيمة والرؤى الحالمة لا تتحقق إلا بطلب العون من الله سبحانه. وبما أن السوق العالمية تشهد هذا الارتفاع الهائل في أسعار الحديد والمجتمع يعاني، فإن مهمتنا بذل الجهد لزيادة المعروض حتى يتحقق التوازن بين العرض والطلب والذي لن يتم لنا بمجرد الدعاء بل مع الدعاء نقوم بإنشاء المصانع لذلك. فكلمات خادم الحرمين الشريفين تلك تشير إلى منهج اقتصاد السوق الحرة والذي التزمت به المملكة كتوجه اقتصادي عام وأن الحلول الاقتصادية الحقيقية هي في ضمان التوازن الاقتصادي من خلال زيادة العرض وليس بفرض الأسعار على المنتجين كما أن في تلك الكلمات إشارات واضحة إلى أن المؤثرات في أسعار الحديد متعددة ومنها ما هو خارجي لا يمكن السيطرة عليه وهذه هي حال الأسواق العالمية لذلك وكأمة مسلمة فإن علينا القيام بالأعمال التي تحت مسؤولياتنا ونسأل الله الذي لنا. وفي كلمة خادم الحرمين الشريفين رؤية منبثقة من ديننا فالسيطرة على حركة الأسعار هي بفضل الله وحده قبل أعمالنا واجتهادنا وبهذا يتضح المنهج الإسلامي الذي تنطلق منه رؤى خادم الحرمين الشريفين ورسمه لمهمات أمته فهو يتبع الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي كان يتعوذ بالله من الغلاء مع عمله على تجنيب الناس أسباب ذلك لأن الغلاء كالأمراض والأوبئة يصيب الله بها من يشاء ويرفعها عمّن يشاء.
كثيرة هي الوقفات والتأملات والصور التي يمكن استخلاصها من كلمات خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – لكن القائد العظيم بحاجة إلى أمة عظيمة تستلهم المعاني من رؤيتها ورسالتها حتى تحقق الأهداف الاستراتيجية الطموحة لقائدها. هذا والله أعلم وهو من وراء القصد.