ضريبة صادرات الأرز الهندية تستحوذ على معظم الدعم
أدى نمو الاستهلاك العالمي من الأرز وتراجع إنتاجه بسبب إهمال آسيا للقطاع الزراعي مقارنةً بالقطاع الصناعي إلى انخفاض مخزونات الأرز في الأعوام الأربعة الأخيرة بنحو 40 مليون طن، ليصل المخزون العالمي في الوقت الحالي إلى نحو 80 مليون طن. وقد أدت الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك العالمي وتراجع المخزون من الأرز إلى ارتفاع أسعاره بقوة خلال الأعوام الماضية.
وتتركز واردات المملكة بشكل رئيس في دولة واحدة هي الهند وأنواع محددة من أرز البسمتي الأعلى سعراً من بين أصناف الأرز العالمية. ولا يتجاوز الإنتاج العالمي من أرز البسمتي 2.6 مليون طن في العام. وتستأثر دولتان بزراعة أرز البسمتي وهما الهند التي تنتج نحو ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي منه، بينما تنتج باكستان الباقي. ويزرع أرز البسمتي في مناطق محددة كمنطقتي هارينا وغرب اتاربرادش الهنديتين وشمال غرب البنجاب الواقع على الحدود بين الهند وباكستان. وسبب ارتفاع أسعاره هو اقتصار زراعته على مناطق محددة، وانخفاض إنتاج الهكتار المزروع بهذا النوع من الأرز إلى 1.4 إلى 2.1 طن مقارنةً بأنواع الأرز الأخرى والتي تصل إلى خمسة أطنان للهكتار. وتصدر الهند أكثر من مليون طن يذهب الجزء الأكبر منها إلى دول الخليج. وتعد المملكة أهم سوق لأرز البسمتي الهندي، حيث تستورد ما يزيد على نصف صادراته. وارتفع الطلب عليه في السنوات الأخيرة من قبل مستهلكين آخرين كإيران والاتحاد الأوروبي. وقد ساعد منع الاتحاد الأوروبي لواردات الأرز المعدل وراثيا في زيادة الطلب على أرز البسمتي. كما أدى ارتفاع الدخول في الهند إلى ارتفاع الطلب المحلي أيضا على هذا النوع. وارتفعت أسعار أرز البسمتي منذ عام 2006 بأكثر من الضعف. ويؤثر في أسعاره عدد من العوامل أهمها العوامل المناخية المؤثرة في الإنتاج وكذلك سياسة الهند التجارية وارتفاع مستويات الطلب في الدول المستوردة. وتواجه زراعته منافسة قوية من المحاصيل الأخرى كقصب السكر بسبب صعوبة زراعة أرز البسمتي التي تستدعي عمالة أكثر ومدخلات أخرى أكثر من المحاصيل الأخرى.
سبق أن كتبت مقالة في الثالث من ربيع الثاني 1429هـ عن تركز واردات الأرز المقبل إلى المملكة من دولة واحدة هي الهند، حيث تستورد المملكة نحو 70 في المائة من أجمالي ورادات الأرز من الهند، مما أدى إلى تمتع الهند بقوة احتكارية قوية في صادرات الأرز إلى المملكة. ولا يبدو أن هذا الأمر يخفى على الهند فهي تدرك قدرتها على رفع أسعار أرز البسمتي في العالم وارتفاع الطلب عليه في الدول التي ترتفع دخول الأفراد فيها. ويبدو أن الهند بدأت تمارس هذه القوة تحت ذريعة مكافحة ارتفاع أسعار الأرز داخل الهند. حيث لم ينخفض إنتاج الأرز في الهند هذا العام وإنما وصل إلى مستويات قياسية قاربت نحو 95 مليون طن. ويبدو أن هناك محاولة لرفع إيرادات تصدير أرز البسمتي وذلك من خلال التلويح بمنع الصادرات. وهذا التلويح هو محاولة لرفع الأسعار إلى أقصى مدى من خلال التأثير في نفسية المستوردين وكذلك لاختبار قدرة الأسواق على تلقي صدمة قوية وجعلها ترفع أسعار الأرز إلى أعلى مستوى ممكن. ولن تقدم الهند على منع صادرات أرز البسمتي لأنها ستخسر ولن تستفيد من هذا المنع. فسيؤدي وقف الصادرات إلى تدني أسعاره داخل الهند والتسبب في خسارة فادحة لمزارعيه ومصدريه، وستفقد الهند إيرادا مهماً من إيرادات الصادرات تتجاوز المليار دولار. وسينتج عن المنع حنق مزارعي ومصدري أرز البسمتي وهو مخاطرة سياسية بكل المعاني. أما أسعار الأرز داخل الهند فلن تتأثر بدرجة كبيرة بسبب انخفاض حصة استهلاك أرز البسمتي في إجمالي استهلاك الهند من الأرز والتي تقل عن 1 في المائة.
وكانت الحكومة الهندية قد بدأت بالضغط على أسعار تصدير أرز البسمتي من خلال وضع حد أدنى للأسعار مقداره 900 دولار ثم ما لبثت أن رفعته حتى وصل إلى 1200 دولار للطن، ثم خفضت هذا السعر أخيرا إلى ألف دولار للطن مع فرض ضريبة مقدارها ثمانية آلاف روبية للطن أو نحو 200 دولار للطن. وهو ما يعني أن السعر الذي يراه ويواجهه المستهلك في المملكة هو السعر نفسه، ولم يطرأ عليه أي تغيير. وأدى فرض الضريبة إلى تلقي المنتج الهندي سعراً أقل وهو ما يعني خفضاً للعائد الذي يتلقاه مقابل إنتاجه مما يحد من رفع الإنتاج ويعزز بقاء الأسعار مرتفعة مستقبلاً. وتحاول حكومة الهند التعويض عن انخفاض دخلها من الجمارك المخفضة على بعض الواردات الغذائية مثل زيت الطبخ من خلال فرض ضرائب على صادرات أرز البسمتي والذي يعتبر من السلع الفاخرة التي يستهلكها الأغنياء (دول الخليج) وباستطاعتهم دفع التكاليف. وقد تكون هذه هي النظرة التي ينظر بها المسؤولون الذين فرضوا هذه الضريبة.
وحد دعم أسعار شراء الأرز في المملكة من تأثير ارتفاع الأسعار في المستهلكين. وفي المقابل أسهم فرض ضريبة هندية في الضغط على الإنتاج المحلي الهندي. وبهذا ارتفعت كمية الاستهلاك عن المستوى التوازني للاستهلاك دون الدعم المقدم في المملكة. بينما أدى فرض ضريبة على الصادرات إلى خفض كمية الإنتاج التوازني للأرز في الهند دون الضريبة. وتفرض الهند ضريبة على صادرات أرز البسمتي مقدارها 0.75 ريال للكيلو جرام بينما تدفع الحكومة السعودية معونة مقدارها ريال واحد للكيلو جرام وهو ما يعني استحواذ الحكومة الهندية على 75 في المائة من المعونة المقدمة للأرز الهندي المصدر إلى المملكة. وهي بهذه الضريبة تلغي معظم الآثار الإيجابية للدعم الذي تقدمه الحكومة السعودية للأرز. ويدفع سكان المملكة ما لا يقل عن 400 مليون ريال سنويا كضريبة لصادرات الهند من أرز البسمتي.