النفط بين الحقيقة والإعلام الأمريكي
لفت نظري أثناء زيارة الرئيس الأمريكي إلى المملكة ما ورد في الإعلام الأمريكي حول عدم تعاون المملكة مع الإدارة الأمريكية، وكيف أن الرئيس تلقى ردا دبلوماسيا على طلبه زيادة إنتاج المملكة دون زيادة مؤثرة. في ظل تآكل سمعة الإدارة وفقدان الدعم في أواسط الشعب الأمريكي، لا يرى الإعلام إلا أن يأخذ المنحى نفسه. كذلك لا يخلو نقل الخبر سلبيا من التشفي على سمعة الدول المصدرة خاصة في جانب مادي وقد يكون حتى عاطفي نظرا لشغف الشعب الأمريكي باستخدام السيارة كوسيلة المواصلات الأولى. الحقيقة الاقتصادية أن قطاع المواصلات الأمريكي يستهلك نحو عشرة ملايين برميل نفط (يبلغ إنتاج المملكة 9.45 مليون برميل). يستخدم الشعب الأمريكي نحو 250 مليون سيارة مقارنة بنحو 37 مليون سيارة في الصين. يجدر بالذكر أن استهلاك الصين ازداد بنسبة 7.2 في المائة من عام 1990 حتى عام 2006، بهذه النسبة سيصل إلى نحو 20 مليون برميل في اليوم عام 2020 معادلا بذلك حجم استهلاك أمريكا حاليا. وقد يصل استهلاك شبه الجزيرة الهندية إلى درجة النمو نفسها، كذلك هناك دول معتبرة أخرى سكانيا في آسيا وغيرها.
يقابل معادلة الطلب المتنامي هذه توقف في الاستكشافات الكبيرة المؤثرة في معادلة العرض. الإنتاج في المكسيك بدأ في الانخفاض وإندونيسيا أقرب إلى الاستيراد من التصدير وبحر الشمال في تنازل متواصل. يذكر أن روسيا في الذروة. نظرا لأهمية أرقام الاحتياطيات فقد أخذت جانبا عاليا من الحساسية السياسية في الكثير من الدول المنتجة مما زاد درجة الغموض حول الكثير من إحصائيات أرقام المخزون. معادلة النفط اليوم في جانب منها الطلب + السعر، وفي الجانب الآخر التقنية + العرض. وبنظرة سريعة إلى هذه المعادلة تجد أن جميع عناصرها متحركة وتؤثر في بعض مما يجعل التنبؤ بالسعر، محاولة محفوفة بالمخاطر. مثال بسيط على تعقيد هذه المعادلة يبرز حينما نعرف أن مرونة الطلب ليست عالية (حيث لا يتوافر بديل سريع) ولكن لا يمكن التنبؤ بتوقيت أو بحجم تأثير عامل التقنية.
تاريخيا، ومنذ عام 1981 (سعر 41 دولارا للبرميل) استمرت زيادة سعر النفط بنسبة أقل من ارتفاع التضخم إلى أن وصل إلى نحو 95 دولارا قبل عدة شهور وبعد ذلك استمر في الارتفاع ليتعدى نسبة التضخم. منذ السبعينيات الميلادية وارتفاع النفط كان دائما بسبب نقص في العرض على أثر حدث سياسي في الخليج ولكن هذه المرة تختلف اختلافا جذريا حيث إن الطلب وخاصة في شرق آسيا ودول الشرق الأوسط أسهم في تغيير المعادلة هيكليا وكانت نقطة التحول حينما زاد طلب الصين بنحو مليون برميل في عام 2004. استمرار الطلب العالمي بنحو 1.3 في المائة سنويا يتطلب إنتاج دولة بحجم المملكة بعد نحو عشر سنوات. ليس هناك ما يشير إلى وجود هذه الكمية في المدى المنظور. لذلك فإن الضغط على الأسعار قد يستمر حتى يحد من الطلب أو نصل إلى بديل مؤثر أو كليهما.
يا ترى ما محصلة هذه البيئة السعرية للدول المصدرة؟
هذا التغيير في المعادلة يذكرنا بمعادلة أخرى في تسعير النفط قلما تكون جزءا من الحديث - معادلة اقتصاديات المصادر الناضبة. النتيجة العملية أن الإغراء بالأسعار الجذابة تاريخيا ومحاولة استغلالها من خلال إنتاج وتصدير كميات أكبر لا يكون الاختيار الأفضل اقتصاديا. فبينما تزيد القيمة الاسمية لعوائد المنتج إلا أن القيمة الاقتصادية للمخزون تزيد بقيمة أكبر. وبذلك تصبح المصلحة في إطالة مدة التصدير وتعظيم القيمة الاقتصادية تدريجيا. العبرة العملية أن نحافظ على أقل زيادة في التصدير ممكنة سياسيا لخدمة أهدافنا الاقتصادية.
الوعي باقتصاديات النفط هو الخطوة الأولى نحو تفعيل الإدارة الاقتصادية لدينا. الأهم من هذا الطرح هو مدى كفاءة إدارة الموارد المالية للتأكد من إيجاد بيئة اقتصادية تستطيع النظر إلى أبعد من النفط. أسعار اليوم تحمل معلومات مهمة عن المستقبل، لذلك من واجبنا القراءة المتأنية لما يحمل السعر من معلومات.