في سبيل ثقافة نفطية .. النفط وأهم المضايق المائية العالمية (1 من 2)

[email protected]

في الوقت الذي يركز فيه الناس على الارتفاع المستمر في أسعار النفط، والأزمة العالمية في الغذاء، واحتمال حصول كساد عالمي على أثر توقف نمو الاقتصاد الأمريكي، محرك النمو العالمي، تتم هناك تغيرات كبيرة في خريطة التجارة الدولية قد تؤدي إلى استمرار أسعار النفط في الارتفاع، أو على الأقل زيادة ذبذبتها. من ضمن هذه التغيرات زيادة تركز إنتاج النفط في مناطق معينة، وزيادة تركز استهلاكه في مناطق أخرى، واستمرار نمو الطلب على النفط بمعدلات عالية في الدول الآسيوية، خاصة في الصين والهند، وزيادة العداء للنفط في الولايات المتحدة وأوروبا، وانخفاض الدولار وارتفاع اليورو وبعض العملات الآسيوية. كل هذه الأمور من شأنها زيادة التجارة العالمية في النفط، وتغيير اتجاهاتها، وتركزها ضمن مناطق معينة. هذا يعني زيادة الأهمية الاستراتيجية للمضايق المائية وبعض أنابيب النفط والغاز عالمياً. من هذا المنطلق سيتم التركيز على المضايق المائية المهمة في تجارة النفط العالمية في مقال اليوم ومقال الأسبوع المقبل، خاصة أن زيادة أهمية هذا المضايق مع تغير اتجاهات التجارة العالمية في النفط قد تؤدي إلى صراع دولي بين القوى العظمى على هذه المضايق أنها تصبح أكثر أهمية من منابع النفط نفسها. وعلى الرغم من وجود مضايق عديدة إلا أنه سيتم التركيز على أربعة منها هي: مضيق هرمز، مضيق باب المندب، قناة السويس, ومضيق ملقا. وما يميز قناة السويس عن غيرها ويضفي عليها صفة استراتيجية مميزة ضيقها وطولها مقارنة بالمضايق الأخرى، إضافة إلى كونها تقع ضمن دولة، بينما تشترك عدة دول في المضايق الأخرى.

مضيق هرمز
يعد مضيق هرمز، وهو فوهة الخليج العربي بين عمان وإيران على بحر العرب، ومن ثم المحيط الهندي، من أهم المضايق المائية في العالم بسبب كمية النفط التي تمر به, والتي تقدر بنحو 17 مليون برميل يومياً، والتي تمثل نحو 20 في المائة من الطلب العالمي على النفط . ويتوقع أن تزداد أهمية المضيق مع مرور الزمن وتركز إنتاج النفط في منطقة حيث تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن ترتفع نسبة النفط المار بالمضيق إلى 36 في المائة من الطلب العالمي، ويتفق توقع وزارة الطاقة الأمريكية مع هذا التوقع.
وقد ركزت وسائل الإعلام على مضيق هرمز في السنوات الأخيرة بسبب تهديد إيران بإغلاقه إذا ما هوجمت من قبل الولايات المتحدة، وتهديد الإرهابيين له أيضاً. إلا أن الحقيقة أنه لايمكن إغلاق المضيق بسبب اتساعه, حيث تبلغ المسافة بين أضيق نقطتين فيه نحو 35 كيلو مترا. وكل ما يمكن أن تقوم به إيران هو إبطاء الحركة في المضيق. ويدل على ذلك أن إيران لم تتمكن من غلق المضيق أثناء الحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، ولكن تعرضت السفن لمشكلات عدة, منها هجمات عسكرية. إلا أن المشكلة الأساسية التي عانتها السفن وناقلات النفط هي الألغام التي زرعها كل من إيران والعراق في المنطقة، خاصة الألغام السائبة التي تنجرف مع التيار. ويتمتع المضيق بحماية قوية من الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة منذ زمن بعيد.
تمر السفن في مضيق هرمز عبر قناة عرضها ستة أميال مقسمة كما يلي: ميلان (2 ميل) للسفن القادمة، ميلان للسفن الخارجة، وبين هذين الخطين ميلان يفصلان بين خطي السفن الداخلة والخارجة.
يرى بعض الخبراء أن أنابيب النفط التي بنتها السعودية من المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر قد بنيت كبديل لمضيق هرمز إذا ما تعرض للخطر. إلا أن الاستغلال شبه الكامل لهذه الأنابيب وزيادة الطلب العالمي على النفط يعني أنه ليس هناك بدائل لمضيق هرمز في الوقت الحالي، الأمر الذي يزيد من أهميته الاستراتيجية.

مضيق باب المندب
يربط باب المندب البحر الأحمر من الجنوب بالمحيط الهندي, حيث يقع في منتصف المسافة بين السويس في مصر ومومباي في الهند. يحده اليمن من الشرق وإريتريا وجيبوتي من الغرب. ويكتسب المضيق أهميته في عالم النفط من كمية النفط المارة به والتي تقدر بحدود 3.5 مليون برميل يوميا، وكونه يقصر المسافة التي تقطعها حاملات النفط بنحو 60 في المائة, حيث إن إغلاقه سيجبر ناقلات النفط على الدوران حول إفريقيا وسيرفع تكاليف نقل النفط بشكل كبير. ويعد المضيق هدفاً للإرهابيين الذين هاجموا حاملة نفط فرنسية عام 2002. وعلى الرغم من أنه يمكن لأنبوب النفط السعودي الشرقي الغربي، الذي ينقل كميات قد تصل إلى 4.8 مليون برميل يومياً، أن يغطيه، إلا أن إغلاقه سيؤثر في النفط المتجه جنوبا والقادم من إفريقيا.
يبلغ عرض المضيق نحو 30 كيلو مترا تقريبا تتوسطه جزيرة بريم. تتم الملاحة في الجزء الغربي من المضيق لأنه الأوسع حيث يبلغ عرضه 25 كيلو مترا ويصل عمقه إلى 310 أمتار، ويطلق عليه اسم "دقة المايون". أما الجزء الشرقي، ويسمى قناة إسكندر، فهو لا يصلح للملاحة الدولية بسبب ضيقه وسطحية المياه فيه، حيث يبلغ عرضه ثلاثة كيلو مترات وعمقه في أعمق منطقة 30 متراً. تمر ناقلات النفط والسفن المختلفة في ممرات عرضها ميلان للسفن الداخلة وميلان للسفن الخارجة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي