رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لبنان .. (ما أحلى) المتناقضات!

[email protected]

"بدك أحلى من هذه ..
اللي انتخبناهم شلحونا، وشحتونا..
يا ليتهم يحلو عنى خيي!"
هذا ما قاله في استطلاع تلفزيوني، بائع رصيف لبناني في بيروت، يضع أنواعا قليلة من الفاكهة والخضراوات على (عربة) خشبية تبدو من مخلفات حقبة سابقة، حقبة العربة والحصان.
في لبنان.. الحرب أولها الكلام، ثم السلام مقبلاته (المزة) الحرب ..
هكذا لبنان.. في لحظات ينفجر العنف ويقتل الناس في الشوارع على الهوية ويتشرّد الآلاف، ثم تهدأ العاصفة ويعود الناس إلى الأرصفة والمطاعم والمراقص، وتغلق دكاكين المزايدات السياسية الفجة، ويتحول السياسيون التجار إلى الاستثمار، وتهدأ النفوس ومَن يتشاتمون في النهار يلتقون في المساء حول السيجار الكوبي الفاخر. أمّا ذلك البائع الجائل الذي ينام طاويا وحوله (كومة) من الأطفال، فهل يُلام عندما يصرخ: (اللي انتخبناهم شحتونا!).
الانتقال من النقيض إلى النقيض يبدو أنه حالة لبنانية خاصة، بلد ينتقل في بضعة أيام من الحرب والقتل، إلى الحب والرقص والعناق، وكأن شيئا لم يكن، والفرقاء أصبحوا رفقاء، لماذا إذن كل هذا، لماذا يُدمَّر البلد ويُشرَّد الناس إذا كانت الأمور تعود إلى هذه الحميمية؟
لبنان لم يفهم لبنان، بلد أمامه فرصة أن يجعل من التنوع الطائفي الكبير (18 طائفة) فرصة استثمارية، يدعو العالم ليرى كيف يتعايش الناس بسلام رغم الطائفية، أي أمامه فرصة أن يجعل من التعايش السلمي (حالة) استقطاب سياحي، فالأولى أن يأتي العالم ليروا كيف يتعايش اللبنانيون بدلا من الوفود الغادية والرائحة لفك الاشتباكات وتقديم المبادرات والهبات والمساعدات.
لبنان في طبيعته الجغرافية حالة اختلاف فريدة لم يستثمرها، بل توزعت المناطق الجميلة بين الفئات المتحاربة وتحولت من مناطق للاستثمار الزراعي والسياحي إلى مناطق للإخلال بالأمن (والتهريب) وزراعة (الحشيش). كيف لبلد يتمتع بكل المعطيات الإيجابية لحوض البحر الأبيض المتوسط أن يرزح تحت الديون التي تتجاوز ثلاثين مليار دولار، ويواجه الناس البسطاء اختناقات حقيقية في المسكن والتعليم والصحة.
أيضا ثمة مفارقة أخرى في الحالة اللبنانية، فبقدر المتسابقين لإنقاذ لبنان ودعمه والوقوف معه في الظروف الصعبة، هناك أيضا المتسابقون الساعون إلى خرابه وتهديد وحدته وإثارة الفتن وتعميق الاختلافات وتحويل التعددية من ميزة إلى مشكلة قاتلة.
التعايش السلمي بين الطوائف اللبنانية هو (أكبر درس) نرد به على ادعاءات إسرائيل، أن العالم العربي منطقة لا تتعايش فيها الأديان ولا تأمن فيها الأقليات، وتكريسها هذه الصورة النمطية هو القوة العاطفية الدافعة لأهم ما تحصل عليه إسرائيل من دعم سياسي واقتصادي وعسكري، إنها تقدم نفسها على أنها (الضحية) المحتملة لهذه الوحوش البشرية، ولا تخجل من إثارة العقدة الأوروبية تجاه اليهود رغم أنها قتلت وشرّدت من الفلسطينيين أكثر مما فعل الأوروبيون باليهود.
لكن اللبنانيون لعقود عديدة ظلوا يخيبون الآمال، لأنهم يغيّبون عقولهم وبصيرتهم فينجرفون إلى التناحر والمزايدة على بلادهم، وبالتالي ينفجر الدم وتكون إسرائيل أول المحتفين. وكم هو مهين للعالم العربي أن تحتفل إسرائيل بمضي ستة عقود على قيامها، بينما يحتفل حزب الله باحتلال بيروت الغربية!
سيدة لبنانية كانت تتحدث في لقاء تلفزيوني قبل احتلال بيروت قالت بحرقة عن بلدها: والدي مسلم سني وأمي مسيحية وزوجي شيعي.. ماذا يفعل أبنائي الثلاثة إذا قامت الحرب؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي