رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رؤية إدارية لقيادي من زمن التأسيس

[email protected]

في الغالب لا يشعر الإنسان بقيمة النعم إلا عند فقدها! لأنه في حال الإشباع التام المتواصل يسيطر عليه اعتقاد خاطئ بأنها حق مضمون لا ينقطع، ومورد جارٍ لا ينضب، ومع مرور الزمن يتأكد هذا الوهم فيستمر في تجاهلها، فلا يعيرها اهتماما ولا تقديرا بل إنه يفقد الإحساس بلذتها والتمتع بها! إنها امتحان صعب ينجح فيه القليلون المدركون لها ويرسب فيه الكثيرون الغافلون عنها، ولذا فإن أفضل نعمة في الكون أن تدرك أنك في نعمة! بالأمس القريب انتقل إلى رحمة الله الوالد الكريم - غفر الله له وشمله بعظيم كرمه وواسع رحمته وجميع المسلمين- وبهذا أكون قد فقدت نعمة كبيرة وفضلا من الله أغدقه علي سنين طويلة. الفراغ الذي تركه هو بقدر عطائه الكبير وسمو خلقه وقوة شخصيته وجرأته الأدبية وعفاف نفسه واندفاعه لخدمة الآخرين وحرصه على قول الحق والعمل به. لقد كان - يرحمه الله - قدوة حسنة وأنموذجا للمواطن الصالح الذي أحب وطنه وولاة أمره بل إيمانه التام بأن نظامنا السياسي الملكي المبني على المبادئ الإسلامية الرفيعة والقيم العربية الأصيلة هو من أنسب النظم للمجتمع العربي.
ولأن الوالد - رحمة الله - أمضى أكثر من أربعين عاما في خدمة الدولة تقلد فيها مناصب عدة كان فيها الإداري المتمكن والقيادي الحازم ذا ثقافة واسعة وقوة حجة وسرعة بديهة بشهادة ممن عملوا معه منذ بداياته في أوائل الأربعينيات من القرن المنصرم عندما انتقل من عنيزة مسقط رأسه للعمل في جمارك الجبيل مرورا بتولي تأسيس وإدارة مكتب العمل في الظهران في بداية الخمسينيات ومن ثم العمل مديرا للضمان الاجتماعي في المنطقة الشرقية في بداية الستينيات إلى انتقاله في العمل مديرا عاما للضمان الاجتماعي في منطقة الرياض في بداية السبعينيات إلى أن انتهى به مساره الوظيفي إلى تأسيس وإدارة بنك التسليف في المنطقة الشرقية ومن ثم تقاعده في أوائل الثمانينيات. ولقد أتيحت لي الفرصة أثناء زياراتي له في مكان العمل أرقب وأشاهد عن كثب فن صناعة القرار وإدارة الوقت وفاعلية الاتصال والحزم والجدية وتطبيق النظام لخدمة الناس والصالح العام وليس للتعقيد وتعطيل المصالح.
حديثي عن تجربة الوالد - يرحمه الله - الإدارية ليس حديثا خاصا أو شخصيا وإنما مثال للرعيل الأول الذين عاصروا مراحل التأسيس الأولى، ولذا فهو حديث عن جميع أولئك الأكارم من القياديين الأفذاذ الذين ساهموا في صناعة مجد هذه البلاد العظيمة بقيادة ملوكها الأشاوس الذين يطبقون الشرع وبه يعدلون، أصحاب الحنكة السياسية والمواقف الوطنية والهمم العالية. وحديثي عن تجربة الوالد الإدارية إنما هو إطلاله على حقبة تاريخية من عمر هذه البلاد، أحسب أنها تمثل خير تمثيل ذلك الجيل الذهبي من القياديين الأوائل. فالتجربة الإدارية تشكلها الظروف والأوضاع وبالتالي فهي نتاج عوامل بيئية، يكون التعرف عليها من خلال الممارسين الذين خاضوا التجربة بكل أبعادها.
ما يميز الجيل الأول أنهم تشربوا من الحنكة السياسية والدراية الإدارية والعقلية المستنيرة والرؤية الواضحة لموحد الكيان وباني مجد البلاد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - وهو الأسلوب العملي التطبيقي من دون تعقيد بيروقراطي أو الإغراق في الإجراءات أو التنظير والتقارير المطولة وإنما تحقيق الأهداف وإنجاز المهام على الأرض والتأكيد على النتائج والتأثير النهائي. لا تستغرقهم المعاملات الورقية ولا ينخدعون بالأرقام ، وإنما همهم التركيز على النتيجة لا الناتج. الجميع يعلم أن المهمة الأولى والوحيدة لموظف الدولة هو تقديم الخدمة للمواطن بما يستوفي احتياجاته ويحقق رضاه. ولذا لم تكن هناك حواجز وعقبات بين المسؤول والمواطن بل تواصل واتصال ولحمة جوهرها حب الوطن والحرص على مقدراته ومكتسباته وخلق يسمو فوق المصالح الآنية الضيقة ونفسيات صحيحة تحب الخير والبذل والعطاء دون انتظار لشكر وتقدير. السر هو قيادة مستنيرة يلتف حولها الجميع وتطبيق لمبادئ الشفافية والمساءلة وسياسة الباب المفتوح. من يقرأ خطابات وبرقيات وتوجيهات الملك عبد العزيز - يرحمه الله - للمسؤولين في المناطق والمحليات يستشف حرصه على العدل والمساواة وعدم التعدي على حقوق الآخرين ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. لقد كان المناخ الإداري العام يتصف بالحرية المنضبطة وحرص ومتابعة من القيادة العليا وتداخل بين المسؤول والمواطن لينصهر الجميع في بوتقة الوطن وتكون ممارسة السلطة لخدمة المواطن وتحقيق تطلعاته وليس تكبرا وتجبرا عليه ليفرز ذلك إنجازات ونجاحات على أرض الواقع. هذا هو الإطار الذي يحكم العملية الإدارية ويجعل المسؤولين يتحركون في داخلها ويدورون في فلكها.
وعلى أن الأوضاع الاقتصادية والتقنية كانت صعبة ووسائل الاتصال بدائية إلا أن إنتاجيتهم عالية وإسهاماتهم واضحة. لقد كانت الأمور بسيطة ومتواضعة والموارد شحيحة حتى أن الرواتب كانت في وقت من الأوقات عينية وليست نقدية وأن من يجيد القراءة والكتابة يكون قد بلغ مستوى تعليمياً رفيعاً. هكذا إذا كانت حياتهم في غاية البساطة إلا أن تفكيرهم في غاية النضج والوضوح مدركين أدوارهم وما ينبغي عمله في ظل نظام قيمي وأخلاقي واضح المعالم يسترشد به الجميع في عملية صنع القرار.
لقد كان للرعيل الأول مفهوم عميق للسياسة ولدور الحكومة في المجتمع وهو تلبية احتياجات العموم، ولذا كان يكرر الوالد - يرحمه الله - إن أي نظام سياسي يجب أن يقاس بمخرجاته وما يقدم للناس وليس بالإجراءات الشكلية والمسميات والشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ويشير إلى أن المسألة لا تتعلق في وقوع الحكومات بالخطأ من عدمه، فالخطأ وارد، ولكن المهم حجم الخطأ ونوعه وفداحته. ولربما استشهد بالنظم السياسية في المنطقة وكيف يُمارس الظلم والإكراه والتعدي على مواطنيهم حتى أنه يخرج عن دائرة الخلق الكريم وينفر منه الطبع السوي. وكان يؤكد في نقاشات عامة أن إشكالية الآخرين وما لا يستطيعون استيعابه في النظام السعودي أن هناك علاقة حميمية مميزة بين الحاكم والمحكوم يسعى كل طرف إلى مساندة الآخر وأداء أدوار تكميلية وليس تنافسية أو تصارعية، وهكذا تتولد طاقات كبيرة تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويردد على الدوام أن سبب التنمية الحقيقي هو الاستقرار السياسي وصلاح الحكام ورشدهم وليس الثروات الطبيعية، وإلا فهناك دول كثيرة تنعم بموارد بترولية وزراعية أكبر مما تملكه السعودية أضعافاً مضاعفة ولكن حكوماتها لم تستطع أن تحقق جزءا مما حققته السعودية، بل إن البعض من تلك الحكومات جلبت لبلدانها الدمار والعار وأذلت مواطنيها وحرمتهم العيش الكريم. إن هذه القناعات بالنظام السياسي واعتزازهم وثقتهم بولاة الأمر والنظرة المشتركة في أن الجميع في السفينة نفسها وتعاونهم وتكاتفهم هو سر تألقهم ونجاحهم. ولا شك أن الأجيال الحاضرة هي غرسهم وامتداد لهم ومطالبة بالحفاظ على القيم والمبادئ التي عاشوا من أجلها وماتوا عليها - يرحمهم الله - ويجزيهم عنا خير الجزاء. لقد أحسست نعمة هذا الترابط الاجتماعي وخيرية هذا المجتمع المسلم حين غمرني الجميع بفيض حنانهم وعظيم كرمهم بتعزيتي ولا أملك إلا الدعاء في أن يحفظ الله لهذا الوطن قيادته وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان والاعتصام بحبل الله إخوانا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي