رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


العوامل الدافعة للتضخم

[email protected]

أخذت معدلات التضخم بالارتفاع أخيرا وارتفعت معها المطالبات بالتصدي لارتفاع الأسعار بسبب الآثار السلبية التي يولدها التضخم وخصوصاً في محدودي ومتوسطي الدخل. وللتوصل إلى حلول ناجعة توقف عجلة التضخم المتسارعة، ينبغي أولا تحديد أسباب ارتفاع معدلات التضخم ومن ثم العمل على التصدي لها أو التخلص منها إن أمكن وبأقل أضرار ممكنة. ولعل معظم مسببات التضخم معروفة وتتوزع بين عوامل داخلية وأخرى خارجية. وأهم العوامل الداخلية الارتفاع الكبير في الإنفاق الحكومي والخاص والتوسع النقدي وارتفاع تكاليف الإنشاءات والإيجارات وارتفاع أجور وتكاليف العمالة المستقدمة. ومن أهم المسببات الخارجية هزات العرض والطلب التي تتعرض لها السلع الأولية والزراعية، وارتفاع معدلات التضخم العالمية، وارتفاع معدلات صرف كثير العملات الأجنبية مقارنةً بالريال.
وأهم العوامل الداخلية المؤثرة في التضخم ارتفاع الإنفاق الحكومي والخاص. وسيكون من الصعب الحد من إجماليات الإنفاق الحكومي في ظل ارتفاع الإيرادات الحكومية، ولكن ينبغي السعي قدر الإمكان إلى تجميد نمو الإنفاق الحكومي المحلي أو على الأقل تقليص النمو إلى أدنى مستوى ممكن. ولدى الجهات الرسمية إدراك بضرورة الحد من النفقات ولكن هناك ضغوط قوية على الحكومة لرفع النفقات بسبب الارتفاع الحاد في الإيرادات. إن اقتصاد المملكة يتوسع بسرعة ولكن يجب ألا ننسى أن حجمه لا يزال صغيراً مقارنةً بالاقتصادات العالمية. ورفع الإنفاق بقوة في المملكة يولد ضغوطاً على عوامل الإنتاج ويرفع الأسعار وتكاليف المشاريع بسبب الاختناقات التي تكون أقوى في الاقتصادات الصغيرة. فارتفاع الإنفاق الحكومي على المشاريع مثلاً يولد ضغوطاً على قطاعات الإنشاءات ويرفع تكاليفها ويزاحم مشاريع القطاع الخاص. ويشهد قطاع الإنشاءات على المستوى العالمي طلباً متزايداً بسبب مشاريع البنية التحتية في كثير من دول العالم وخصوصاً في آسيا. وليس هناك شك أن الاستمرار في تنفيذ مشاريع البنية الأساسية الداعمة للتنمية المستدامة أمر بالغ الأهمية، ولكن توخي الحذر أمر مطلوب للحد من تأثير الاندفاع الكبير في تنفيذ هذه المشاريع في التضخم. ولا يخفى على أحد ضرورة وضع أولويات تنفيذ المشاريع المساهمة في فك الاختناقات في الاقتصاد والداعمة للتنمية المستدامة.
والعامل الآخر الأساسي الدافع للتضخم هو التوسع الكبير في السيولة المستمر منذ عدة سنوات. وتواجه مؤسسة النقد العربي السعودي صعوبة في وقف التوسع النقدي خصوصاً مع ارتفاع النفقات الحكومية واستدعاء الدين العام وارتباط معدلات صرف الريال بالدولار المنخفضة قيمته. ويبدو أن محاولات مؤسسة النقد العربي السعودي رفع متطلبات الاحتياطي غير كافية في كبح نمو السيولة في ظل عدم التحكم في العوامل الأخرى الرافعة لمعدلات نمو السيولة التي من أهمها اضطرار المؤسسة لتبني سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي التوسعية الخافضة لمعدلات الفائدة (بسبب ربط سعر الريال بالدولار). ويسهم تدني تكاليف الإقراض في نمو إنفاق القطاع الخاص ويرفع معدلات نمو السيولة.
أما خفض تكاليف العمالة المؤثرة في العرض فيتطلب تخفيف القيود على استقدام العمالة الأجنبية ورفع معدلات صرف الريال. وانخفضت أجور عدد كبير من العمالة الأجنبية بعملاتها الوطنية بسبب ارتفاع عملات كثير من الدول مقابل الدولار مما دفعها إلى رفع أجورها. وقد رفع عدد من الدول الحدود الدنيا لأجور عمالتها في منطقة الخليج. أما بالنسبة إلى خفض العجز في بعض أنواع العمالة الذي نتج عن فرض قيود على استخدام العمالة فيبدو أنه سيستمر. وترى وزارة العمل أن خيار تخفيف القيود على استقدام العمالة غير مناسب في الوقت الحالي وذلك من أجل دعم جهود السعودة. وتشهد بعض القطاعات مثل قطاع الإنشاءات عجزاً في العمالة مما دفع بتكاليفها إلى الأعلى. ومن العوامل الأخرى الدافعة للتضخم ارتفاع تكاليف الإيجارات والتي لا يبدو في الأفق ظهور أي اتجاه لفرض قيود عليها، ولهذا فإنها مرشحة للاستمرار في الارتفاع خلال الأشهر والسنوات المقبلة. من جهة أخرى، يسهم ارتفاع تكاليف مواد البناء وعمالتها في رفع تكاليف إنشاء الوحدات السكنية والتجارية مما يدفع بالإيجارات إلى أعلى.
ويصعب على المملكة السيطرة على الأسباب الخارجية الدافعة للتضخم، ولكن يمكنها تبني بعض السياسات الهادفة للحد من بعض آثارها. ويمكن التأثير في أسعار الواردات من خلال رفع معدلات صرف العملة أو تقديم دعم للسلع المستوردة. وقد خفف الدعم المقدم لبعض المواد الغذائية المستوردة من آثار ارتفاع أسعار هذه المواد ولكن تأثيره في الرقم القياسي العام محدود. والدعم المقدم عادةً يستهدف سلعا محدودة تشكل أهمية استهلاكية لمحدودي الدخل. ويصعب تعميم الدعم على سلع كثيرة بسبب ارتفاع تكاليفه وتشويهه لأنماط الاستهلاك والإنتاج المحلي. أما بالنسبة إلى رفع معدلات صرف الريال مع العملات الأخرى فيبدو مستبعداً في الوقت الحالي. ولا يوجد أدنى شك أن رفع معدلات صرف الريال سيقلل من آثار ارتفاع تكاليف الواردات واستقدام وتشغيل العمالة، ولكن ينبغي رفعة بنسبة كبيرة للتأثير في معدلات التضخم وهو أمر مستبعد في الوقت الحالي في ظل حالة الترقب والحذر التي تشهدها أسواق العملات لتحديد اتجاه أسعار صرف الدولار.

متخصص في الدراسات الاقتصادية

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي