السكن بين الرهن العقاري وحلم الضبعة
بعد عدة أسابيع سينهي مجلس الشورى مراجعة عدة أنظمة مالية مترابطة لعل أهمها الرهن العقاري مما يدغدغ آمال الكثير من المواطنين دون وعي عملي باقتصاديات الإسكان في المملكة. لا يمكن لهذه المنظومة أن تحل إشكالية الإسكان دون حلول جذرية قادرة على تعظيم الاستفادة العامة. الإسكان حق ذو مغزى اقتصادي واجتماعي وحتى سياسي، ولذلك فإن الحل يجب أن يأتي سريعا وأن يكون عمليا حيث يستطيع أن يتعامل مع السوق بواقعية. لن يكون هناك سوق يسمح للسكن أن يتوافر بسلاسة وتكلفة ممكنة دون توازن بين التكلفة والدخل. دعنا نستعرض التكاليف والدخل والدور المرتقب للتمويل العقاري.
يكلف المنزل "المناسب" لشريحة العائلات المبتدئة ما لا يقل عن 700 ألف ريال (طبقا لأقل وحدة سكنية في جنوب الرياض أثناء المعرض العقاري)، وهذه التكلفة لا تعني شيئا دون المقارنة بدخل هذه الشريحة وملاءتها المالية وقدرتها على التعامل مع تكلفة القرض بعد إقرار عملية الرهن العقاري. دخل رب منزل هذه الشريحة لا يتجاوز في الغالب 7500 ريال شهريا؛ وسيطلب دفعة مقدمة للقرض لا تقل عن 15 في المائة ثم تسديد الباقي على مدة 20 عاما وبنسبة فائدة لا تقل عن 6.50 في المائة تناقصية (مقارنة بالقروض العالمية الثابتة الطويلة الأجل)، بهذه الأرقام ستصل الدفعة الشهرية إلى 4400 ريال شهريا وهذا يصل إلى 59 في المائة من الدخل الشهري، ولذلك لا يمكن أن تتحمل هذه الأسرة تكاليف هذه الدفعات في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واحتمال أن يكون لدى هذه الأسرة قروض أخرى. سيختلف الكثير حول الدخل المفترض والتكلفة وغيرهما من أجزاء هذه المعادلة ولكنها لن تكون مختلفة كثيرا عن الواقع اليوم، لاحظ عدم ذكر أي تكاليف للتسجيل وللحفظ وغيرهما من التكاليف ذات العلاقة. لذلك فإن الرهن العقاري لن يحل إشكالية تمويل السكن للأغلبية العظمى من موظفي الحكومة ومحدودي الدخل من موظفي القطاع الخاص دون تغيير جذري إما من خلال الدعم المباشر (حكومي) وإما من خلال تغيير هيكلي في تسعيرة الأراضي حيث إنها أهم عنصر تكلفة في المملكة وذلك في اختلاف كبير عن الكثير من الدول المتقدمة والمتوسطة الدخل. ينبع اختلاف المملكة من أن الأراضي وسط استثماري ومضاربي لطبقة لا تحتاج الأراضي كوسيلة للسكن، بل للمتاجرة مستغلة في ذلك غياب الحكومة عن تطبيق الزكاة على الأراضي الخالية. وهذا ما يفسر غلاء الأراضي المتناقض مع وفرتها في بلاد واسعة. وقد ازداد تضخم أسعار الأراضي بعد انتهاء فقاعة الأسهم وتوجه الكثير من الأموال إلى العقار.
تشير الإحصائيات إلى أن نحو 45 في المائة من الأسر السعودية لا تملك منزلا. لذلك هناك ضرورة للتعامل مع هذه القضية الحياتية. كذلك يعتبر الكثير من هؤلاء مثقلين بقروض استهلاكية تصل في مجملها (ليست كلها لهذه الشريحة) إلى 200 مليار ريال. عدم المصارحة حول هذه الفجوة بين دخل نحو نصف الأسر السعودية وقدرتهم على خدمة القرض العقاري لن يحل عن طريق منظومة قوانين وأنظمة تناقش في مكاتب وزارة المالية وغيرها دون فهم أرضية الواقع. علينا إيجاد حلول عملية صادقة تخدم العامة ولا تتهرب من الواقع. لقد استفادت الشريحة العليا من المجتمع من التهاون في جباية الزكاة على تجارة الأراضي، وحان الوقت لمشاركة الطبقة الأقل حظا.