بعد 75 عاما .. لنحلم مع "أرامكو"
هل يجرؤ أحد ليكتب عن "أرامكو" دون أن يتهم بالتقصير..
"أرامكو" هي جزء نابض مشرق في الذاكرة الوطنية، ولا يمكن الحديث عن التاريخ المعاصر لبلادنا دون المرور على ما أحدثته "أرامكو"، أما الآن فثمة أشياء عديدة تنجزها "أرامكو"، وهذا أيضا يجعل الحديث عن مستقبل بلادنا يعني الحديث عن مستقبل "أرامكو"، فهذا العملاق الكبير الذي نحتفل اليوم بإنجازاته على مدى جيلين مازال يحدث أثرا عميقا في حياتنا، كما فعل في الذاكرة.
ماذا فعلت "أرامكو" في الذاكرة؟!
هنا اسألوا الشيوخ الذين هبوا إلى "أرامكو"، حينها كانوا شبابا ويافعين يأتون بثيابهم البسيطة التي كانوا يرفعونها قليلا ثم يلبسون فوقها "البنطلون"، صورة تبدو الآن "مضحكة" لأحفادهم، وبقدر ما فيها من الطرافة لجيل ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، إلا أن خلف هذه الصورة ضروبا من الشقاء والعناء، وأيضا خلفها دروس عن التحديات والقدرة على البقاء، ذاك الجيل العظيم الذي شهد ولادة "أرامكو" وساهم في قيامها كما ساهمت هي أيضا في نجاحه، إنه الجيل الذي فعل المستحيل لتحقيق حلمه ويلتحق بـ "أرامكو"، فمنهم من باع بيته، أو رهن مزرعته، أو باع ناقته لكي يأتي إلى "أرامكو"، إنها مجازفة كبرى أن يتخلى إنسان ذلك الزمن القاسي عن رأسماله الاجتماعي والاقتصادي، ولكن ذاك الجيل تخلى عن هذه الأساسيات لتمنحه "أرامكو" ما هو أجمل وأهم، منحته المستقبل، كما هي الآن تمنحنا المستقبل.
اعتبارا من اليوم، نحن جميعا ننتقل إلى حقبة مهمة من تاريخ "أرامكو" وتاريخنا جميعا، هناك أشياء عديدة أنجزتها "أرامكو"، في مجال بناء الإنسان، وفي مجال بناء مرافق الحياة الأساسية للمنطقة الشرقية، وفي مجال الصناعة النفطية عالميا، وثمة الإنجاز الأكبر.. لقد كانت "صانع وحدة وطنية"، وكيف ذلك؟ لقد أوجدت بيئة عمل لها ثقافتها ولها طابعها المميز، واستطاعت أن تحتوي الناس باختلاف مرجعياتهم ومناطقهم لتدمجهم وتحدد لهم أهدافا وطنية وتعلقهم بالمستقبل، لقد زرعت فيهم الوطنية والانتماء، مما وحّد عواطفهم وتصوراتهم وسلوكهم، إنه الإنجاز الأكبر، و"أرامكو" مازالت تقوم بهذا الدور ونرجو أن يتوسع ويتعمق.
الآن ومستقبلا الوطن يتوقع الكثير من "أرامكو" في جبهات عديدة، فالموروث الإداري الذي يمتد لعدة عقود هو رصيد للوطن يفترض أن تتوسع منافعه، وهنا ننتظر من "أرامكو" أن تستثمر صورتها الإيجابية في الذهنية الاجتماعية لإطلاق مشاريع هدفها الأول نقل الخبرة الفنية وتجربة الإدارة إلى الأجيال القادمة.
هذا سوف يعطي الفرصة لأن نعظم الفائدة من "أرامكو"، وأيضا يعطي "أرامكو" الفرصة لاختبار مدى قدرتها وآلياتها.. الآن "أرامكو" تحتاج إلى تحديات وطنية جديدة، وهنا لا نطالبها أن تخرج من واجبها الأول وهو الصناعة النفطية، فرفع قدرة المملكة الإنتاجية وصيانة المنشآت والتوسع في الاستثمارات الخارجية، كل هذه مهمات جسام، فليس من مصلحتنا أو مصلحة "أرامكو" أن نربك أولوياتها، كل ما نريده هو أن ندمج أولوياتنا مع أولوياتها.
إن من أبرز أولوياتنا الدفع بجيل جديد إلى ميدان العمل الاحترافي، ومشاريع "أرامكو" القائمة والقادمة ميدان مناسب لبناء الموارد البشرية بالمتطلبات والمواصفات العالمية، نريد الجيل القائم من الخبراء في "أرامكو" أن يكون حلقة وصل مع الجيل القادم. كمدخل فعّال لـ "بناء الموارد البشرية" لعل أرامكو تبدأ بإنشاء معاهد متخصصة تستقبل الطلاب بعد المرحلة الابتدائية لإعداد جيل للصناعة النفطية، نريدها مع الشباب أن تفعل ما فعلت مع أجدادهم.. تستقبلهم قبل تشكل سلوكهم واتجاهاتهم للعمل ثم تعمل على تربيتهم ليكونوا رافدا لمشاريع "أرامكو" وللوطن ككل.. وهذه مهمة سوف تنجزها "أرامكو"، ومَن يعتقد غير ذلك لا يعرف "التفكير الإيجابي"، الإنجازات العظيمة تبدأ من أحلام.