رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جائزة السعفة ... تعزيز لمبدأ الشفافية

[email protected]

في مجتمع محافظ مثل مجتمعنا يحوي كثيرا من القيم الحضرية والأخلاق الكريمة يكون من المفترض أن قد بلغ من المثالية مبلغا ووصل غاية النضج والرقي والكمال الإنساني، إلا أن المتغيرات الاقتصادية والمستجدات الثقافية أخفت جزءا من هذا الإرث العظيم والكنز الثمين وكأنما أثرت فيه عوامل الزمن فأصابه شيء من الصدأ أو لربما غرق في بحر العولمة والترف المادي فتلاشت هويته وفقد شيئاً من لمعانه ورونقه وضيع بعضا من تميزه وصدق معانيه. هذا ديدن جميع الحضارات في مسيرة التاريخ بين مد وجزر، ترتقي تارة وتهبط تارة أخرى. وفي كل مرة يلوح في الأفق مؤشرات الضعف وإرهاصات تردي الحال وعوامل الانزلاق إلى القاع أو على أقل تقدير التوقف عن النمو تحتاج إلى من يبعث فيها الروح ويجدد الرؤى والأفكار ويزيل عنها الصدأ لتلمع من جديد جواهر القيم والأخلاق وتتضح الهوية ويعزز الانتماء الوطني والتمسك بالثوابت والانطلاق بها إلى آفاق أرحب تستوعب المتغيرات والمستجدات.
هذه مبادرات يبعثها المصلحون الاجتماعيون وقيادات العمل المدني المهتمون بالشأن العام ورقي المجتمع وتحقيق المصالح العليا للأمة لتضمن الاستقرار والاستمرار والسلم الاجتماعي والقوة والمنعة والحفاظ على المقدرات والمكتسبات الوطنية والتزام الوحدة والإجماع. هؤلاء المصلحون التنويريون يضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار حتى على حساب مصالحهم الخاصة، هاجسهم التنمية الاجتماعية والسياسية يدفعهم إلى ذلك حبهم للخير والبذل والعطاء والتصدي للمسئولية الاجتماعية والرغبة في الإسهام في بناء مجتمع صالح متماسك كالبنيان يشد بعضه بعضا. أساس نظرتهم أن الجميع في السفينة نفسها وأن الخير والشر يعمان والكل يؤثر ويتأثر دون استثناء وأن لا انفكاك من النظرة الجماعية والتفكير المشترك الذي يتطلب التكاتف والتعاون والاحترام والتقدير المتبادل على أساس من المصارحة والحوار والشفافية والمساءلة والعدل والمساواة.
انتهاج هذا التفكير الإيجابي والنظرة الجماعية ليس بالأمر السهل لأنه يعني إعادة صياغة العلاقات والأدوار بطريقة جديدة وتطبيق ثقافة لم تعهد من قبل ونظم وإجراءات رسمية مبنية على قيم ومبادئ الشفافية والموضوعية والحيادية، وبالتالي هناك نزعة عند البعض نحو رفض التغيير والتطوير وإبقاء الأمور على ما هي عليه. هؤلاء البعض لديهم اعتقاد أن التغيير ليس لمصلحتهم لأن تقييمهم يعتمد على المصالح الشخصية الآنية وليس النظرة بعيدة المدى وأهداف وطنية استراتيجية. هؤلاء ليس لديهم استعداد للتضحية بالمنافع الحالية من أجل الاستثمار في المستقبل غير آبهين بحق الأجيال القادمة، بل غير مدركين للقضية الأهم وهي أن هناك مساحة أكبر للنمو الاقتصادي وتعظيما للعوائد وتقوية مكانة وموقف الاقتصاد الوطني. إن إيجاد أوضاع جديدة أمر تحتمه المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. لم يعد بالإمكان الاستمرار على النهج ذاته بالاعتماد على نظم اجتماعية وإدارية جامدة تعدم الشفافية والمساءلة والإبداع. الوقت موات إن لم يكن متأخرا في الخروج عن المألوف الإداري وتطوير إجراءات صنع القرار العام وإحداث تغيير في الثقافة السياسية والإدارية بإيجاد آليات ونظم إدارية تتناسب مع وقع التغيرات وتستجيب للمعطيات الجديدة وتسهم في البحث عن حلول إبداعية.
إن التغيير الاجتماعي مهمة الجميع دون استثناء حتى ولو تفاوتت الإمكانات واختلفت المواقع وتباينت وجهات النظر. وقد تكون جائزة السعفة التي تم الإعلان عنها أخيرا في مؤتمر صحفي عقد ته اللجنة التأسيسية برئاسة الأمير تركي بن عبد الله بن عبد الرحمن أحد الإسهامات الرائدة في هذا الاتجاه. الجائزة تتبنى ثقافة الشفافية والقيم التي تدور في فلكها. الفكرة الأساسية من الجائزة هي إبراز النماذج المتميزة التي تصلح لأن تكون قدوة صالحة ومثالا يحتذى به في تطبيق الشفافية منهجا وأسلوبا في التعامل داخل مؤسساتها ومع الأطراف الخارجية المتعاملة معها. وحقيقة الأمر، أن تطبيق الشفافية ينبع من الإيمان بما تحمله من مضامين ومعان والاعتقاد الجازم بأنها كفلسفة تحقق مصلحة الفرد والمؤسسة والمجتمع. إنها تنبع من داخل الذات وهي جزء لا يتجزأ من النظام القيمي والخلق الذي نرتضيه وليس فقط بقوة القانون، فالشفافية حالة مستمرة ووضع يمنح الفرصة في العمل في وضح النهار دون لبس أو تدليس ودون محاباة أو تعطيل للأنظمة ودون استغلال للسلطة من أجل مصالح شخصية ودون أن يكون هناك موضع للشك أو ريبة. ومتى ما بلغ المجتمع بكل فئاته ومكوناته ومستوياته درجة عالية من الشفافية أصبحت العلاقات بين الناس والمؤسسات واضحة والجميع على بينة من الأمر فينتفي سوء الظن وتتلاشى الإشاعات والأقاويل. إنه النقاش دون محاذير ولا وجل ولا خوف، دون خطوط حمراء وغير حمراء، نقاش يقود إلى التصور الجماعي والرؤية المشتركة فتتحد الجهود وتتبلور المبادرات ويندفع الجميع للهدف ذاته على قلب رجل واحد. بهذا التصور المشترك والنقاش المفتوح والحوار الصريح وتقاسم المعلومات تنصهر النيات مع الأفعال فلا يكون هناك أجندة خفية ولا تعارض بين القول والعمل. هذا الوضوح والانكشاف يحتم بالضرورة عمل الأشياء بصورة نظامية صحيحة وصادقة ودقيقة ومحققة للمصلحة العامة، ومن ثم الاستعداد لتقبل النقد والآراء المخالفة برحابة صدر وعقلية مستنيرة وبحيادية وموضوعية. إن من شأن ذلك المساهمة في بناء القدرات الوطنية والتراكم المعرفي وخوض تجارب جديدة وتحقيق حلول إبداعية وتحريك الموارد بكفاءة وفاعلية، وجميعها مطلب أساسي لمواجهة تحديات المنافسة الاقتصادية العالمية الشرسة. من أجل ذلك فإن جائزة السعفة للقدوة الحسنة تأتي في توقيت مناسب يتماشى مع وقع المتغيرات وينسجم مع النضج السياسي والاقتصادي للوطن. السعفة رمز وطني وتعبير للبذل والعطاء والنمو على الرغم من قسوة الظروف والتحديات والصعوبات، فهي نبتة في صحراء قاحلة. جائزة السعفة محاولة واجتهاد طوعي يسلط الضوء على القيادات الإدارية والمؤسسات الوطنية الأبرز في تطبيق مفهوم الشفافية لتكون قدوة للآخرين ليحذوا حذوها. من هنا كان السعي نحو تقدير هذه التجارب الناجحة وتجلية الصورة وإبرازها للعموم ووضعها في مكانها المناسب حيث يراها الجميع. إن إيجاد جائزة تعنى بالشفافية هو اعتراف صريح ولفت الانتباه إلى أن هناك خيرا كثيرا، وخيرين كثرا في هذه البلاد يستحقون التشجيع والإشادة وهم بلا شك قدوة صالحة للآخرين نجاحاتهم تؤكد أن الشفافية تقود نحو الإنجاز والتألق والتميز. الجائزة أول عمل مدني يسعى لتعزيز مبدأ الشفافية وإحداث تغيير ثقافي واجتماعي إيجابي ذي تأثير تتابعي ينتشر في كل اتجاه ويقصد كل مكان ولا يستثني أحدا. الأمل أن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية في إنجاح جائزة سعفة والتسابق في تطبيق مبدأ الشفافية وتحقيق أهدافها النبيلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي