أحدث الأصدارات
سنابل وقنابل
العرب لا يقرأون!!.. فإذا ركبت مع أوروبي وجدته خانسا منغمسا يقرأ في كتاب, وإذا ركبت مع عربي وجدته يبصبص كالذئب العاوي, أو كالعاشق الهاوي, يتعرف على الركاب, ويسولف مع الأصحاب والأحباب.. بيننا وبين الكتاب عقدة نفسية, ونحن أمة (اقرأ), لكن ثقلت علينا المعرفة, وخف علينا القيل والقال, ولو سألت أكثر الشباب: ماذا قرأت اليوم؟ وكم صفحة طالعت؟ لوجدت الجواب: صفر مكعب!! فبلوغ المعالي اتخذ في عصرنا لباسا جديدا ومظهرا فريدا:
سلوا الصحون التباسي عن معالينا واستشهد البيض هل خاب الرجا فينا
كم (كبسة) شهدت أنا جحافلـــــــها وكم خروف نهشناه بأيدينــــــــــــــا
هكذا يستهل عائض القرني أحد فصول كتابه الجديد "سنابل وقنابل", الذي يقع في اثنين وعشرين فصلا, تتناول جوانب متنوعة من حياتنا بمشكلاتها وتناقضاتها التي باتت ترهق الجميع,حكاما ومحكومين, شيبا وشبانا..ولغة المؤلف اللاذعة والطريفة تضحك حينا وتحزن حينا آخر, كما هو الأمر في فصل (من قتل الحسين), حيث يعلن القرني بصوت أقرب إلى البكاء, أنه, وكل مسلم سني مؤمن, أكثر من مفجع في مقتل الحسين, وأكثر من ساخط وغاضب ولاعن لقتلته, وأن الوقت قد حان ليتوقف القتل بحجة الثأر للحسين, بين أبناء الأمة الإسلامية, ولتنتهي مهزلة سب الصحابة وآل البيت, ويورد المؤلف قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "قتل الحسين – رضي الله عنه – مصيبة من أعظم المصائب ينبغي لكل مسلم إن ذكرها أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون", ويعقب القرني قائلا: لو كره عضو من أعضائنا الحسين أو أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, لتبرأنا من هذا العضو وبترناه.
وفي قفزة من لغة الألم إلى حديث الطرفة, ينتقل القرني إلى (نشرة الأخبار) في الفضائيات العربية, والتي باتت نوعا من العذاب النفسي للمستمع, بطول السرد وعرض التوافه والإغراق في تفصيل التفصيل, ففي الأخبار الدولية تحرص الفضائيات على وصف وصول الضيف إلى المطار, ونزوله على سلم الطائرة, واستعراض حرس الشرف, وتناول القهوة, وغير ذلك من عظائم الأمور, في دأب لايكل ولايمل ودوامة لاتنتهي من التفاصيل المملة, أما الأخبار المحلية, فلا يبخل مقدموها بوقتهم ووقت مشاهديهم في الوقوف مع القصائد العصماء التي تقال في مديح مسؤول افتتح سوقا للخضار أو أمر بترميم مستوصف في قرية على حدود البادية, ولايتوقف الأمر عند هذا الحد فهناك الأخبار الرياضية, وسباق الخيل والهجن وغيرها من الأخبار التي لا تضر ولا تنفع, ونشرة الأخبار في الوطن العربي لا تزال كما هي منذ أربعين عاما تعلن عن الهزيمة تلو الهزيمة, كما قال البردوني:
وقاتلت دوننا الأبواق صامدة أما الرجال فماتوا ثم أو هربوا
وأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب
أوليس عجيبا أن يكون هذا حال تهافت إعلامنا ونحن أمة البيان, وإعجاز القرآن؟ ألم تسمع المحطات التلفزيونية العربية بالأعرابي الذي سمع قوله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين), فاندهش الأعرابي وصاح: الله أكبر في آية واحدة أمران ونهيان وبشارتان..!
وفي (الأرض بتتكلم أردو), يحذر القرني من طوفان العمالة الآسيوية السائبة والمنظمة الذي أغرق أسواق العمل الخليجية وغير لهجات سكان الوطن فصار الخليجي يرطن للعجم بلغتهم, وصار المواطن يبحث عن العمل ولو في سيارات الأجرة وبيع الخضار, ويدعو القرني إلى التعامل بجدية مع هذه الظاهرة التي تشكل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة, مذكرا بالدروس والعبر التي يجب استخلاصها من التاريخ العربي والإسلامي, عندما غلب المعتصم العنصر الوافد على العنصر العربي, وما جرته هذه السياسة, على الأمة العربية من الخراب والويلات, والمطلوب هو توفير الثقافة والتأهيل المهني المناسبين للعمالة الوطنية, ودور إعلامي فاعل قادر على نفض غبار الوهم والكسل والعظمة الزائفة التي تعشش في عقول الشرائح الشابة, حتى تستطيع القيام بدورها في بناء الأمة وتجنيبها الأخطار المقبلة.