البحوث التطويرية لديهم ضرورية إنما لدينا صورية
"تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن" و"تعزيز انتماء الفرد للأرض" و"غرس الولاء في نفوس الأبناء" من العبارات التي نحرص جميعا من أولياء الأمور والمسؤولين والمفكرين وأصحاب الأقلام المؤثرة تداولها وتناولها لما لها من أهمية في توجيه النشأ للبذل والعطاء لإحياء الأرض وإعمارها. من هذا المنطلق حبذا لو وجهنا الأنظار نحو الاستفادة من أبناء المجتمع في جميع المواقع في الدراسات التطويرية وفي جميع المجالات حتى ولو كانوا على مقاعد الدراسة. في المملكة المتحدة مثلا يقوم المعهد الوطني للبحوث NIHRسنويا وهو الجهة المشرفة على أبحاث القطاع الصحي RISC Program في برنامج (أفضل بحث لأفضل صحة: Best Research for Best Health, بتطوير برنامج يعنى بتحفيز الفكر فيما ينفع الفرد والمجتمع, وليكون التطوير نابعا من المجتمع وللمجتمع. برنامج RISC عبارة عن برنامج لتطوير البحث العلمي في الخدمات الصحية وما يتعلق بها إداريا واقتصاديا واجتماعيا ويمكن المؤهلين من حملة الشهادات العليا وطلاب الجامعات أيضا أن يبادروا بممارسة مواطنتهم من خلال القيام بدراسات يحددها البرنامج ويقوم بإجرائها وتنفيذها المتقدم بمقترح مستوف لمتطلبات ذلك. بالنسبة لهذه النخبة تعد هذه المخصصات جائزة لهم ودعما وليست منحا لإتمام الدراسة فقط, كما أنها دليل على مشاركة هذا الفرد في وضع إحدى لبنات بناء هذا المجتمع النبيل وتوطيد لعلاقته بالشؤون العامة في هذا الجانب أو ذاك المجال. هذا البرنامج يعد عن أحد أساليب تحسين إجراء أو رفع مستوى خدمة أو تعديل سياسات صحية معينة أو توفير في تكاليف خدمات أو تطوير نوعية من الصناعات, أو تحسين علاقة الأطباء بالمرضى بعد تقييم الخدمات بأنواعها المختلفة أو ما يؤدي إلى جودة شاملة أو ما إلى ذلك من مواضيع, ولقد كثفت الابحاث أخيرا في العلوم الدقيقة والتقنية في محاولة لتخفيض تكاليف الخدمة وتوفير مبالغ تمكن من توظيف قوى عاملة متخصصة في مواقع تحقق بها التوازن في نشر الخدمات الصحية المتطورة وتحقيق عدالة توزيع الموارد. لم تقتصر المنح على البحث بل امتدت أيضا لإلقاء المحاضرات والإشراف على الأبحاث والتدريب وما إلى ذلك من مجالات بغية الاهتمام بـ "الشأن الصحي" وجعل المجتمع شريكا في صنع القرار. هذه المنح تشرف عليها لجنة مشكلة من أكاديميين ومسؤولين صحيين في مواقع مختلفة من المرافق الصحية أو مراكز الأبحاث والقطاع الصناعي والإدارات المحلية، حيث تجيز المشروع وتشرف على الصرف ويتابع إجراء البحث متابعة دقيقة حتى لو تطلب الأمر القيام بتعديل أو تحوير آلية التنفيذ.
من حيث المخصصات فقد رصد عام 2006/2007م مبلغ 753 مليون جنيه استرليني أي ما يزيد على ملياري دولار (وما يعادل ستة مليارات ريال) لدعم البحوث الصحية من جميع أرجاء الدولة خلال عام. وكمثل لما يغطي هذا البرنامج من أبحاث تطويرية فقد نُشرت في شباط (فبراير) الماضي قائمة طويلة جدا في مجلات علمية وعامة تعلن عن حاجتهم لمن يقوم بأبحاث في تخصصات صحية مختلفة على أن يدعم البحث بالكامل وعلى المؤهل وصاحب الفكرة أن يتقدم بمقترحه أينما كان موقع عمله ومهما كانت درجته العلمية حتى ولو كان طالبا جامعيا وستنظر اللجنة في مقترحه وكيفية تحقيق أهدافهم من خلال المقترح. هذا جعلني أتذكر ما قامت به مجموعة من الطالبات السعوديات اللائي ابتكرن أو طورن نظاماً تشغيليا إلكترونيا لخدمة قسم تقنية المعلومات في جامعة الملك سعود في الرياض، حيث حاولوا فحولوا عملا يدويا إلى إجراء إلكتروني مطلقين عليه اسم "مشروع نظام خدمة قسم تقنية المعلومات"، وأصبح بالتالي يستخدم من قبل موظفات القسم اللائي زادت انتاجيتهن باختزال الوقت المستغرق لأداء أعمالهن بالأسلوب القديم. بمراجعة كل ذلك أتساءل عن أمور عدة لا أجدها قد تغيرت لدينا خصوصا من حيث أنظمة الخدمة المدنية ونظرة القائمين على الأبحاث لطلاب الجامعات وخريجيها. فبالنسبة لهذه المجموعة من الطالبات ما الذي سيقدم أو يكفل لهن نقاطا يتميزن به عن غيرهن عند التقدم للوظائف أو إذا ما أريد تكريمهن؟. ولعلمنا بقيام مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية أخيرا بمبادرة مماثلة قد تكون "خجولة" لأنها متأخرة ولكن هناك عوائق ما زالت تؤرق الراغبين في التطوير وما زالت على طاولة المسؤولين تناقش ولم تخرج عنهم حلول جذرية لها. من أمثلة ذلك "هل يتمكن موظف مؤهل في جهة الحصول على منحة لإجراء بحث أو دراسة أو القيام بالتدريب في جهة أخرى، من دون أن تضع له جهة عمله عوائق تثنيه عن الممارسة أو أداء هذا الواجب في الوقت الذي لم يستطع أداءه في جهة عمله؟ وهل إذا تمكن من ذلك يكون النظام سلسا ومرنا من دون الدخول في تعقيدات الفقرات والبنود... إلخ؟. من ناحية أخرى كيف تحسب نقاط الترقيات للمساهمة الفاعلة في ابتكارات أو بحوث أنجزها الموظف الحكومي المؤهل؟.
تطويريا أتمنى أن يكون لدى القطاعات الصحية الحكومية والخاصة برامج يدعون بها المتخصصين والمثقفين المؤهلين لعمل الأبحاث فيما يحاولون به تحسين مخرجات أعمالهم ورفع مستوى الوعي الصحي وأساليب التغذية حتى العلاجية منها وأساليب الوقاية والممارسات المختلفة في المرافق الصحية بأنواعها المتعددة. كما أتمنى أن تقوم وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل ووزارة التعليم العالي ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والهيئة السعودية للتخصصات الصحية بتكثيف مناقشة حقوق ومميزات الموظف الحكومي في هذا الشأن, وإيجاد دور بارز للقطاع الخاص يمكنه من تعزيز دور القطاعين, والله الموفق.