رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جامعة الإمام: الدور المفقود

[email protected]

تسعى جامعة الإمام إلى التقدم عبر البوابة العلمية من خلال تأسيس كليات علمية في تشابه مع جامعة الملك سعود والكثير من الجامعات الأخرى، وهذا المسعى طيب ويدفع بعجلة التقدم، ولكنه يفقد التميز والربط بين جذور الماضي والحاضر والمستقبل من جهة، واستحقاقات التنمية الفكرية والفلسفية والثقافية في المجتمع من جهة أخرى. لا شك أن هناك حاجة ماسة إلى كلية علوم حاسب وكلية طب، ولكن هذه تختلف عن الدور الرسالي الذي يستحسن أن تقوم به جامعة الإمام. للمملكة دور مركزي في ثقافة الأمة وتأتي مع هذا الدور مسؤولية في إعادة صياغة الثقافة وإيجاد أرضية فلسفية جديدة والقدرة على تطوير الفقه والتشريعات وإعداد الفقهاء، كل هذه تشكل الأرضية القادرة على استيعاب التعامل مع استحقاقات التنمية من ثقافة إلى سياسة إلى اقتصاد. دون هذه الأرضية الصلبة يفقد النهج التنموي عبارات تسويغه والقدرة على بيعه للعامة، فهو يسهل دور القيادات في تحويل المسارات والتحولات الكبيرة في المجتمع.
تكتفي الجامعات السعودية اليوم بتعليم القدرات المهنية والفنية بدرجات متفاوتة في الكفاءة وبدرجة أقل في التخصص، ولقد كانت جامعة الإمام وجامعة أم القرى والجامعة الإسلامية على درجات متفاوتة تركز على العلوم الشرعية والاجتماعيات، ولكنها تدريجيا بدأت تبتعد عن هذا المضمار "عدا الجامعة الإسلامية"، فالحاجة الماسة إلى التخصصات العلمية والفنية مفهوم، ولكن هناك حاجة ماسة إلى درجة عليا من التخصص. لن نستطيع إكمال المنظومة التنموية دون عمق ثقافي فلسفي.
الأحرى بجامعة الإمام أن تنقسم إلى جامعتين، الأولى تحتفظ بالاسم نفسه وتتخصص في الدراسات الدينية والثقافية والفلسفية والقانونية واللغويات، والأخرى وتسمى جامعة الأمير سلمان تقديرا لباني الرياض الحديثة تتخصص في العلوم والهندسة والطب. سيكون محزنا أن تفقد جامعة الإمام هذا الدور الريادي في تعميق وتفسير وتقويم الهوية الثقافية والبناء الفكري القادر على التكيف مستقبليا. الفلسفة الثقافية الإسلامية العربية بقيت مبتورة منذ أن جف قلم ابن رشد وابن خلدون وابن تيمية والغزالي وغيرهم.
حان الوقت أن نصنع الثقافة، ولكن صناعة الثقافة تقوم على محورين أساسيين، الأول وبوضوح هو النجاح الاقتصادي الرشيد الذي يوازن بين التكلفة والربح بغرض النمو المستدام من خلال استخدام كافة العلوم بدرجة عالية من الكفاءة لرفع الإنتاجية لدعم النمو والتطوير، والثاني حول إيجاد واحة فكر وفلسفة تجد معانيها في مراكز إشعاعية تسمح للمفكر والفيلسوف بالتأمل وبناء النسيج الفكري وتدعيم قواعد المعرفة والتواصل مع الآخر.
معالجة الصراع الثقافي جزء من حالة العالم اليوم، والنكوص إلى مقاعد خلفية لن يفيد في تفادي هذه الصراعات والأمواج العاتية، بل علينا الدخول في هذه المعارك الثقافية، لا يرغب أحد أن يكون متلقيا فقط للثقافة، ولكن يجب أن نصنع القوالب الفكرية ونحاول تصديرها ونعيد مجد الأمة الثقافي والمعرفي. لعل هذه خطوات دفاعية في المقام الأول، ولكنها تستمر لكي تصبح فاعلة مع الوقت وكسب احترام الثقافات الأخرى.
خيار تقليد جامعة الإمام بالجامعات الأخرى توجه في ظاهره طيب، ولكن في جوهره خطوة تفتقد الرؤيا الواضحة والتفكير البعيد. في نظري على الجامعة تغليب التخصص ورفع المستوى والانفتاح الثقافي وعدم الخوف من الصراعات الفلسفية فنحن أمة فخورة وغنية بتراثها وثقافتها وطموحة، وما هذه الخطوة إلا لتحقيق هذا الطموح وتعميق الهوية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي