حارة "المغتصبة" تهيم في بحر من "الفقر" و"العوز".. وبيوتها لا تقاوم البرد ‏

حارة "المغتصبة" تهيم في بحر من "الفقر" و"العوز".. وبيوتها لا تقاوم البرد  ‏

في مساحة لا تكاد تتجاوز الخمسة كيلو مترات، في قلب حي المرسلات ‏‏(شمالي الرياض) ثمة مكان يعرف بـ "المغتصبة"، لا يمكن أن يطلق ‏عليه اسم "حي"، إذ لا يملك المقومات الرئيسية التي تصنفه في قائمه ‏الأحياء، في حين لا يمكن أن يقال عنه "قرية" لأنه أقل منها في التنظيم ‏الجغرافي الذي تعرف به القرى والهجر، فمن الأفضل أن يحمل اسم ‏المكان "مجهول"، لأن ساكنيه يحملون الصفة ذاتها، إذ إن الخدمات ‏والمرافق الصحية متأخرة جدا ولا تخدم هذه البقعة من العاصمة.‏
وعلى الرغم من أن الحارة محفوفة بثورة عمرانية هائلة لا يفصلها عنها ‏سوى شارع إبراهيم بن جعفر، إلا أن "المغتصبة" تفتقر إلى معظم ‏الخدمات‎ ‎الضرورية كشبكة المياه والصرف الصحي.‏
ويجمع طريق الأمير‏‎ ‎مشهور بن عبد العزيز بين عصرين مختلفين الأول ‏أحدث ما توصلت إليه التصاميم المعمارية من قصور وفلل مع توافر ‏جميع الخدمات، في حين تتكدس على الطرف الآخر بيوت الطين ‏والصنادق الحديدية وخزانات‎ ‎المياه في الطريق ومستنقعات مياه الصرف ‏الصحي بين طرقات وشوارع الحي غير المعبدة مع تكدس العمالة ‏المتخلفة‎.
يقول أحد سكان الحارة: "منذ 28 عاماً لم يطرأ أي تغيير. ما زلنا نحتاج ‏إلى أبسط الخدمات من صرف صحي وتصريف لمياه‎ ‎الأمطار"، مشيراً ‏إلى أن شبكة المياه لا تبعد سوى أمتار قليلة عنهم ، وأن‏‎ ‎الأمانة أجرت ‏مسحاً قبل ثماني سنوات دون أن تظهر نتائجه وآثاره إيجابا على سكان‏‎ ‎الحي. ‏
وأبدى عدد من سكان الحي تخوفهم من كثرة العمالة الوافدة التي تتخذ من ‏البيوت‎ ‎الشعبية سكناً لها، إضافة إلى كثرة السرقات التي يقوم بها بعض‎ ‎الشباب وخاصة لأسطوانات الغاز والأجهزة الكهربائية والهواتف النقالة‎.
وتعود تسمية الحي إلى عام 1394هـ‎ ‎عندما وضع البعض صنادق ‏حديدية كمنازل لهم على هذه القطعة التي كانت يستخدمها أحد‎ ‎القطاعات المهمة، حيث تطور الأمر لبناء منازل طينية وشعبية.‏
واستمر إطلاق هذا الاسم عليه حتى عام 1406هـ ليطلق عليه الحي ‏الشعبي، فيما تضم "المغتصبة" نحو 230‏‎ ‎منزلاً شعبياً تسكنها الطبقة ‏الفقيرة كما توجد أعداد كبيرة من الجنسيات الوافدة غير‎ ‎النظامية مما يشكل خطراً أمنياً، طبقا لما قاله عدد من السكان.‏
ومن الروايات – بحسب السكان - على تسمية المغتصبة بهذا الاسم، أن ‏أهالي الحي، نزلوا به وأقاموا مساكنهم دون صكوك ملكية كانت وقتها ‏‏"وثائق قديمة" وبعد أن شهد الحي طفرة عمرانية كبيرة، نتيجة موقعه ‏المميز قرر أحد رجال الأعمال وضع يده على المخطط كاملا.‏
وتعد حارة "المغتصبة"، الواقعة في حي المرسلات في الوسط الشمالي ‏للعاصمة، واحدة من المناطق السكنية الأكثر احتياجاً للبنية التحتية فيها، ‏إذ تفتقد الصرف الصحي وشبكة المياه، في حين أن بعض المنازل تستخدم مولدات ‏كهربائية خاصة لإنارة ليلهم الحالك، ولا توجد الطرق بالمفهوم الحقيقي ‏لها، فهناك بقايا أسفلت مغطى بشيء من الطين والرمل والحجارة، ويعد ‏مدخل الحارة وكأنه سور لمنزل شعبي في قرية بعيدة عن المدينة. ‏
وتطلق على الحارة تسميات عديدة، منها "الغلابة" أو "المسروقة"، إضافة ‏إلى "المغتصبة" وهي مفردات تعكس اختلاف الآراء ما بين شرائح ‏المجتمع "العاصمي" حول وضع الحارة وساكنيها. ‏
وعلى بعد أمتار معدودة، تفصل العابر من الطرق المعبدة وأعمدة ‏الإنارة وأبراج الكهرباء والهاتف، تتلاشى معظم معالم المدنية وتظهر ‏معالم أخرى لحارة ما زالت طرقها عذراء لم تمسها أيدي عمال شركات ‏المقاولات، مع وجود منازل طينية أو أسمنتية صغيرة ومهترئة لا يمكن ‏أن توجد حتى في الأحياء القديمة في الرياض. ‏
وليس بمقدور الزائر التخلص من فضول أهالي الحارة، سواء أكانوا ‏أطفالا أو مراهقين، ليجتمعوا ويتضافروا لمواجهة الغريب لخشيتهم من ‏سوء عاقبة الزيارة، وكأن العالم الخارجي كله عدو لهم. ‏
وتفتقر "المغتصبة" لشبكة إمدادات المياه والصرف الصحي والكهرباء ‏والهاتف، إلى جانب تعبيد الطرق وتسويتها، أما سكانها فسكنوها قبل أن ‏يصل العمران إليها.‏
ومع فصل الشتاء لأهل "المغتصبة" ذكرى مؤلمة وتحديدا مع هطول ‏الأمطار، التي دائما ما تغمر منازلهم بالمياه كالأعوام السابقة، ولا يجد رجال الدفاع المدني ‏طريقة أفضل من تعويض الأهالي بخيام للإقامة فيها بشكل مؤقت، إذا اجتاحتهم المياه. ‏
ويؤكد سكان في الحارة، أنهم يفتقدون الجانب الأمني أحيانا، إذ تشكو المنطقة من تعدد السرقات.‏ وتمتد معاناة السكان كما يقولون، إلى إن الدفاع المدني حذر الأهالي أخيرا من عدم ملاءمة منازلهم ‏للسكن، واحتمالية انهيارها وسقوطها في أي لحظة، وهو ما جعل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد تكتب على ‏باب المسجد الوحيد في الحارة أن ‏‏"المسجد آيل للسقوط، تمنع الصلاة فيه"، غير أنه لا يزال يحتضن بين ‏جنباته عشرات من السكان كل يوم خمس مرات نتيجة انعدام البديل.‏
من جهته، قال لـ "الاقتصادية" الدكتور مفلح القحطاني نائب رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، إن الحي إذا كان مملوكا ملكية عامة، أو خاصة، فيجب دراسة حالة الأشخاص الذين يقطنونه، ومن تنطبق عليه شروط الضمان الاجتماعي أو مشروع الإسكان الخيري ويحول للجهات المعنية لتقديم الدعم المالي له أو إيجاد منزل بديل عن سكنه السابق.
وأوضح القحطاني أن جمعيته تسعى لدراسة أوضاع الأحياء الفقيرة في مختلف مدن ومناطق المملكة، مشددا على ضرورة معالجة أوضاعهم والإسهام من رفع مستوى معيشتهم.

الأكثر قراءة