مجلس الوزراء يتحرك بسرعة .. ومؤسسات حكومية تغط في سبات عميق

[email protected]

المتابع لما تنشره الصحافة العالمية في هذه الأيام يجد أنها تتحدث عن أشرس أزمة غذائية في التاريخ الحديث. الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وجه قبل فترة وجيزة إنذاراً شديد اللهجة إلى الدول المتقدمة وقال: إن الدول الفقير ستتعرض لمجاعة تدمر الأخضر واليابس إذا استمرت الدول المتقدمة في استخدام المواد الغذائية لإنتاج طاقة بيولوجية بديلة عن البترول، ومن ناحيته قال رئيس البنك الدولي روبرت زوليك لقد أصبح العثور على الطعام بالنسبة لنحو ملياري نسمة في العالم معركة يومية أو حتى مسألة حياة أو موت، أما جوزيت شيران مديرة برنامج الغذاء العالمي فقد حذرت من مجاعة ستفرم مئات الملايين في الدول الفقيرة والناشئة، حتى الرئيس جورج بوش طلب من الكونجرس اعتمادات مالية تصل إلى 770 مليون دولار للمساعدة في تخفيف الأزمة على الدول الفقيرة.
وهكذا بسبب قيام بعض الدول المتقدمة باستخدام المواد الغذائية الأساسية كالقمح والشعير والذرة وفول الصويا وقصب السكر والفجل في إنتاج الوقود الحيوي، فإن الدول الفقيرة هي التي تدفع الثمن غالياً من غذائها وأكلها وقوتها.
إن هذا التوسع في استخدام المواد الغذائية الأساسية للحصول على الوقود الحيوي.. أدى إلى نقص ملحوظ في الكمية المعروضة منها في الأسواق العالمية، وهذا النقص في المعروض من السلع الغذائية أدى بدوره إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار هذه السلع.
الأسفه من ذلك أن التوسع في استخدام الذرة كوقود للمركبات أدى إلى نقص ملحوظ في أعلاف الحيوانات وهو ما تسبب في نقص كميات المعروض من اللحوم, ما أدى إلى ارتفاع أسعار اللحوم ومنتجات الألبان إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية في كل أسواق الدنيا التي تشهد – في هذه الأيام – ما يشبه الاختناق الغذائي.
وهكذا يمكننا القول إن العالم مقبل على كارثة غذائية مفاجئة إذا لم تتعاون كل الدول والمنظمات الدولية لمواجهتها بقوة وحزم.
وفي ضوء هذه الفوضى في سوق الغذاء العالمي اندلع العديد من مظاهرات الجياع في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية تنادي بإلغاء منظمة الأغذية والزراعة العالمية, وتناشد الدول الصناعية بالكف عن استخدام المواد الغذائية في الحصول على الوقود الحيوي، والسؤال المهم: هل نحن بعيدون عن المجاعة التي أشار إليها أمين عام الأمم المتحدة ومديرة برنامج الغذاء العالمي, التي أصبحت تتهدد الدول الفقيرة والغنية على السواء، أم أن أسواق المملكة تعيش في كوكب آخر بعيد عما يجري في كوكب الأرض؟
طبعاً الإجابة هي أن السوق السعودية جزء لا يتجزأ من السوق العالمية تتأثر وتؤثر فيها، ولذلك فإن مجلس الوزراء السعودي الموقر أخذ على عجل بزمام المبادرة وأكد في جلسته, التي عقدت برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في الأسبوع قبل الماضي, استراتيجية متكاملة لتلبية احتياجات المواطن السعودي من السلع والخدمات لتحقيق المتطلبات اللازمة للاستمرار في تنفيذ برامج التنمية والمحافظة على مستوى عالٍ من الرفاهية الاقتصادية للشعب السعودي، كما أن مجلس الوزراء المحترم ناقش أسعار المواد التموينية والبناء واطلع على الخيارات الاستراتيجية المتاحة للتعامل مع المؤثرات الخارجية المؤدية إلى المزيد من الزيادة في أسعار المواد الغذائية، وبحث المجلس سبل توفير المواد الأساسية وتنويع مصادرها وأساليب توزيعها في السوق بالكفاءة والحرص والتوازن وممارسة أقصى درجات المتابعة لكل مراحل التوزيع، كما أن مجلس الوزراء اطلع على المشاريع المقترحة بإنشاء شركات زراعية مع الدول التي تتوافر فيها أراضِ خصبة صالحة لزراعة المحاصيل لتوفيرها في أسواق المملكة في كل المواسم وبالأسعار المخفضة.
وإذا كنا قد نوهنا إلى سرعة تحرك مجلس الوزراء الذي أثبت في أكثر من مناسبة أنه يحس دائماً بنبض الشارع السعودي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين وزارة الزراعة, وكليات الزراعة في الجامعات السعودية ومؤسسة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ووزارة الاقتصاد والتخطيط من هذه المشكلة التي لم تعد خافية؟ لماذا لم تتحرك الجهات المسؤولة باتجاه حماية المواطن من غول يتهدد قوته وحياته؟ إنها فرصة مواتية كي تثبت هذه المؤسسات التعليمية والإدارية المتخصصة في الزراعة أنها موجودة ولها إنجازات.
إن زيادة الإنتاج الزراعي من خلال شمولية الزراعة المعدلة جينياً تعد واحدة من أهم الحلول المطروحة عالمياً, التي كان يجب أن يكون لمؤسسة الملك عبد العزيز, ووزارة الزراعة وكليات الزراعة دورٌ في بحوثها ودراساتها.
وإذا لم يكن لهذه المؤسسات البحثية والفنية كلمة في هذه المحنة فمتى يكون لها دور وكلمة وموقف.
إن الصحف العربية تناولت أخباراً عن قيام المملكة مع مصر بخطوة إيجابية باتجاه تفعيل مشروع السوق العربية المشتركة من خلال قيام الدولتين الشقيقتين بزراعة القمح على رقعة واسعة من الأراضي السودانية التي تعد من أفضل الأراضي خصوبة في العالم التي لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه, لتكون بداية جيدة لما يعرف باسم سلة خبز العالم العربي.
في الإحصائيات الدقيقة المنشورة حديثاً أن 37 دولة في العالم مهددة بالجوع، وإن العالم في عام 2020 أي بعد 12 سنة يحتاج إلى زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة 50 في المائة، ولنا أن نتخيل إذا كانت الكميات المنتجة حالياً تتعرض للخصم لصالح قنوات غير غذائية، فكيف نتصور العالم (وبالذات العالم الفقير) وهو يواجه مشكلة من أشد مشكلات المجاعة في التاريخ.
إن أزمة الغذاء التي بدأت تكشر عن أنيابها, التي تهدد الدول الفقيرة لن تكون أزمة هذه الدول فحسب، بل ستكشر عن أنيابها في مواجهة الدول الغنية التي أساءت استخدام هذه المواد الغذائية، ولذلك فإن أمام العرب فرصة سانحة لتحقيق حلم السوق العربية المشتركة، وللأسف فإن قيمة الصادرات الزراعية العربية تقدر حالياً بنحو 12 بليون دولار في مقابل واردات تزيد على 38 مليار دولار. وهذا يعني أن العالم العربي يحتاج إلى محاصيل زراعية تقدر بنحو 106 بلايين دولار، علماً بأن المساحة المزروعة في عالمنا العربي لا تتجاوز 71.5 هكتار من أصل 197 هكتاراً، أي أن المساحة المزروعة لا تتجاوز 36 في المائة من المساحات الصالحة للزراعة.
وفي ضوء ذلك, فإن العالم العربي يحتاج إلى وضع خطة زراعية هدفها تحقيق الاكتفاء الذاتي لجميع الدول العربية, وتأمين القوت اللازم لعدد فقرائه الذين وصلوا إلى 88 مليون فقير يشكلون نحو 37 في المائة من إجمالي عدد السكان العرب.
ولعلنا بهذه المناسبة نذكر أن أزمة الغذاء التي تفرض نفسها على العالم اليوم تطرح من جديد المقولة التي كان الاقتصاديون يرددونها على السياسيين، وهي أن من ملك قوت يومه ملك استقلاله، حقاً إنها مقولة فصيحة, وخالية من الشوائب, ويجدر التلويح بها في هذه الظروف الصعبة التي تتهددنا جميعاً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي