رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الشفافية.. مناقشة ما لا يناقش!

[email protected]
 

الشفافية كما بقية المصطلحات المستجدة والطارئة على المجتمع يتم تداولها واستخدامها على نطاق واسع ولكن عند المستوى التجريدي دون إدراك لمعناها الكامل والقصد منها ودون أن تتحول إلى سلوك في حياة الناس وإجراءات نافذة في التنظيمات الإدارية الحكومية والخاصة. فلفظ الشفافية من المستجدات في قاموسنا الاجتماعي والسياسي قدمت إلينا من مجتمعات أخرى مثلها في ذلك مثل بقية المفاهيم والأفكار وحتى المخترعات والمنتجات التي لم يتم استيعابها وتطبيقها واستخدامها كما أريد لها وإنما أصبحت من الترف الثقافي اللغوي الذي نزين به حديثنا في سبيل الانضمام لنادي النخب وفئة المثقفين أو المباهاة المادية في اقتناء سلع ومنتجات واستخدامها بطريقتنا التقليدية خارج وظيفتها الأساسية وسياقها الاجتماعي وإطارها التنظيمي ومنشئها الثقافي. ولذا قد لا يكون مستغربا أن يتحدث أحدهم عن الشفافية ويسهب ولكن دون إلمام بمعاييرها وأهدافها وما تنطوي عليه من معان وما يرتبط بها من قيم أخرى وما يرجو تحقيقه من تطبيقها، والأهم دون رغبة في تحمل تبعاتها من ردود أفعال ومداخلات الآخرين والتعرض للانتقاد والمساءلة. إن نظرة فاحصة لواقعنا اليوم ينبئ عن هذا التناقض العجيب الغريب بين ما نجلبه من قيم معنوية ونظم إدارية ومنتجات وسلع من مجتمعات أخرى ورفضنا أو عدم قدرتنا على استيعابها بشكل متكامل. قد يكون السلوك المروري من أبرز الأدلة المشاهدة على ذلك، فبعض مستخدمي الطريق يقودون مركباتهم في الطرقات العامة دون أدنى مراعاة لمعايير السلامة وأنظمة المرور وما ينبغي لهم اتباعه وما يلزمهم تجاه الآخرين وكأنهم يقودون مركباتهم بمفردهم في صحراء واسعة دون قيد أو شرط. ويمكن قياس ذلك على معظم التنظيمات الحكومية التي ظاهرها بيروقراطيات محايدة وباطنها سلوكيات مبنية على العادات والتقاليد وليس الكفاءة والفاعلية. هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر السلبية في المجتمع تنم عن عدم إدراك تام لهذه القيم القادمة من الثقافات الأخرى لتختلط مع التقاليد والأعراف الاجتماعية وتتحول إلى هجين مشوه لا يتبع هذه ولا تلك.
هناك تخوف غير مبرر من التجديد واستيعاب قيم جديدة تارة بحجة رفض الذوبان الثقافي أو ما يسمى الغزو الثقافي وتارة أخرى لعدم انسجام مفهوم الشفافية مع طبيعة مجتمعنا المحافظ التقليدي الذي تتجذر فيه قيم الستر والمجاملة وعدم الإفصاح حتى في القضايا العامة. وهذا بطبيعة الحال نتيجة فهم خاطئ في عدم التمييز بين المصالح الشخصية والمصالح العامة. إن هناك حقا عاما وحقا خاصا وإذا كان الفرد يملك خيار التنازل عن حقه الخاص تكرما وتصدقا، فهذا لا يعني أنه يمكن التخلي عن الحق العام. فالحق العام والحفاظ عليه مرتبط بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو مبدأ إسلامي راق وأساس نهضة الأمة وجوهر خيريتها. إلا أن الإشكالية تكمن في قصور في الفهم الحقيقي للقيم الإسلامية ومقاصدها الأساسية ومن ثم عدم إعمال العقل في تطبيقاتها على واقعنا المعاصر. إن من الظلم أن يحجم دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قضايا محددة ومجالات ضيقة دون تداخلها في عملية التطوير الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والرقي الحضاري. إن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جوهره تقييم مستمر لحال المجتمع ورؤية نقدية واستكشاف حلول ومعالجات جديدة تنقله إلى مستويات أعلى من التحضر والحد من السلبيات التي تعوق تنميته. إن الركون للمألوف والإصرار على رؤية الأمور من زاوية ضيقة يفوتان الفرصة للتعامل مع المستجدات وتوظيف القيم الإسلامية في جميع مناحي الحياة توظيفا يجعلنا أكثر وعيا وتقديرا لها، وأكثر قدرة على فهم الآخرين من منطلقات وأسس واضحة تؤهلنا بعقول منفتحة مستنيرة ونظام قيمي واضح المعالم من استيعاب بموضوعية وحيادية القيم والنظم والمنتجات لمجتمعات أخرى واحترام وتقدير طرق استخدامها ومعاييرها.
إن كثيرا من الناس لا يهتمون بالشأن العام ويكون همهم فقط تحقيق المصالح الشخصية ولذا تولد لدى كثيرين نزعة نحو تفضيل أنظمة ضبابية وتطبيقها بانتقائية وبطريقة شخصية غير موضوعية وغير حيادية. والسبب يعود إلى الاعتماد الكبير على التنظيم البيروقراطي والمركزية الشديدة دون أن يكون هناك رقابة اجتماعية على البيروقراطيات ومشاركة حقيقية من السكان في صناعة القرار العام عبر مجالس نيابية تعكس الرأي العام. إن التنظيم البيروقراطي الذي يعتمد على هرمية السلطة والإجراءات الداخلية الروتينية الرتيبة لا يمكن له أن يستوعب التغيرات والمستجدات في البيئة، بل يجنح البيروقراطيون في ظل توحدهم في عملية صنع القرارات التنفيذية وحتى التشريعية إلى احتكار المعلومات والتحفظ عليها ومنعها عن العموم بحجة الكفاءة وسرية العمل وهو ما يتناقض مع الاستجابة لمتطلبات السكان وتقاسم المعلومات وتوفيرها. هذا الوضع الإداري البيروقراطي أوجد ثقافة تتبنى الانغلاق والجمود والاتصال باتجاه واحد في صناعة القرار العام. وفي ظل هذه الثقافة لا تظهر أهمية الإبداع والابتكار والتعلم والبحث عن أوضاع أفضل وبالتالي لا يهتم بأمر الشفافية. إن التعلم التنظيمي لا يكتفي بالتحقق إلى أي مدى تم إنجاز الأهداف التنظيمية ، وإنما يتعداه إلى التساؤل هل أهداف الجهاز الحكومي هي المطلوبة في المقام الأول أم لا. التعلم التنظيمي المزدوج يتطلب الشفافية ومناخا من حرية التعبير والثقة والأمان وهذا يعني مناقشة ما لا يناقش وجعل ما لا يناقش قابلا للنقاش! إلا أن ذلك يصعب تطبيقه في ظل الثقافة الإدارية والاجتماعية التي تتمحور حول المصالح الشخصية والنظرة الجهوية الضيقة وفهم القوانين فهما مجردا من المقاصد ليتم تطبيقها بانتقائية ومزاجية وتفاوت فيما بين الناس. على أن هناك شبه اتفاق على أهمية الشفافية إلا أن معظمهم يؤمنون بها من الناحية النظرية والفكرية كمبدأ مهم في العلاقات الإنسانية شخصية كانت أم رسمية، ولكن يعجزون عن تطبيقها وتحمل تبعاتها. إن ثقافة الشفافية التي تعتمد على الإفصاح وحرية التعبير والمساءلة لا تنسجم مع التفكير الأحادي وثقافة الانغلاق والانكفاء على الذات، وكان لا بد من إعادة التثقيف لتطبيق الشفافية لأن ذلك أدعى للنجاح في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية والتي يأتي في مقدمتها العولمة وتقدم تقنية المعلومات والتواصل بين ثقافات العالم.
إن ما يميز المجتمعات المتقدمة عن النامية هو تطبيق الشفافية مبدأ أساسيا في جميع مناحي الحياة وعلى جميع المستويات، إذ إن عملية التطور والتقدم تستلزم تبادل المعلومات والاتصال والتواصل بين الناس. إنها أساس في عملية التعلم والتراكم المعرفي وإحداث التغيير الاجتماعي المطلوب. الحديث عن الشفافية ليس كما يظن البعض انه يقتصر على القطاع الحكومي ومحور لنظمها وسياساتها، بل يتعداه للقطاع الخاص والمستوى الشخصي وقناعة داخلية لدى الأفراد. الشفافية دعوة نحو التوفيق بين القول والعمل لأن ذلك أدعى للمصداقية وتوضيح التوقعات والنتائج المتوخاة والتحول إلى مجتمع قانوني يتم فيه الربط بين المدخلات والمخرجات والعلاقة بين أنماط سلوكية محددة واضحة تقود للنتائج المطلوبة. لقد ذم الله عز وجل أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون "يَا أَيهَا الذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تفعلون، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ"، لأن في ذلك خلخلة وتفككا لبنيان الأمة وزرع عدم الثقة في العلاقات داخل المجتمع ما يؤدي إلى تفشي ظواهر التدليس والغش والمحاباة. وحتى يتوافق القول مع العمل يستلزم تطبيق الشفافية فذاك أدعى إلى جعل الجميع على بينة من الأمر في وضح النهار يرون ويرون، مندفعون للإسهام في التنمية، حريصون على حفظ وصيانة المقدرات والمكتسبات الوطنية، وإلا فالمرء عدو ما يجهل.
هناك مساع حثيثة لنشر ثقافة الشفافية في المجتمع وقد يكون من أبرز تلك الجهود تبني الأمير تركي بن عبد الله بن عبد الرحمن جائزة القدوة الصالحة، التي تتخذ من سعفة النخلة رمزا واسما. الجائزة تهدف إلى تعميق معنى الشفافية في المجتمع عبر تحفيز المؤسسات في القطاعين العام والخاص في الاجتهاد والتسابق لتحقيق أكبر قدر من أسس ومعايير الشفافية. الأمير تركي يستمد هذا التوجه من نهج ولاة الأمر ورغبتهم الأكيدة والعزيمة الصادقة في تطوير العلاقة المميزة بين الحاكم والمحكوم والتي تمتد جذورها في عمق التاريخ والمبنية على الحب والتقدير والاحترام والشفافية والمصلحة الوطنية. لا شك أن الفرصة مهيأة لتعميق مفهوم الشفافية وتحويل الإرادة السياسية الحكيمة والرغبة الملكية الكريمة إلى واقع ملموس. إن إنشاء هيئة متخصصة لمحاربة الفساد وهيئة أخرى لحقوق الإنسان، وغيرها من الهيئات والتنظيمات لا يتسع المجال لذكرها، لهو دليل واضح على حرص ولاة الأمر والتزامهم هذا المبدأ الذي أسس له الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ ومن بعده أبناؤه البررة من سياسة الباب المفتوح ومن قبل ذلك القلوب المحبة التي تتسع لجميع الناس والعقول المستنيرة التي تستوعب الاختلاف في الرأي. إلا أن جائزة القدوة الحسنة تأتي ضمن الجهود الأهلية والنشاط الطوعي الخيري في أداء دورها الاجتماعي المدني تكملة للدور الرسمي الحكومي في نشر ثقافة الشفافية فكرا وميولا وسلوكا. الجائزة جهد ومبادرة نابعة من حس وطني وصفاء نية وحرص على ما ينفع الناس تستحق التقدير والدعم والمؤازرة رسميا وشعبيا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي