سوق العمل: بين صراحة القصيبي وفشل السياسة العمالية
اختصر وزير العمل صعوبة مهمة الوزارة في الوضعية التالية: الوزارة مكلفة بتوظيف عامل لا يرغب في العمل لدى مؤسسة لا تريده. هذه معادلة مستحيلة في أي اقتصاد آخر! من خلال هذه الوصفية العجيبة عبر الوزير عن حالة غير اعتيادية نشأت بسبب تراكم عيوب السياسات الاقتصادية والعمالية في المملكة على مدى سنوات، لا يمكن أن تصل الأمور بهذا الوزير المثقف إلى أن يصف حالة السياسة العمالية بهذا الشكل إلا من خلال يأس. أو أنه إعلان (ولو متأخر) عن محدودية نطاق سلطة وزارة العمل بالقيام بهذه المهمة الأكبر والأكثر تأثيرا في نواحي الحياة في كل الاقتصاديات. مظاهر فشل هذه السياسة تأتي من خلال محدودية نمو الاقتصاد السعودي وازدياد التحويلات الخارجية وحالة الانفصام بين التعليم والعمل وأخيرا.. في حالة اليأس التي عبر عنها الوزير، نلمس ظاهرة الانفصام حينما يذكر رجل الأعمال أنه يضطر للتحايل على نظام وزارة العمل لاستقدام ما يحتاج إليه من طاقم بشري، إضافة إلى انفتاح وزارة العمل العام الماضي بقوة في الاستقدام لسد احتياج المشاريع الحكومية أو توظيف أئمة بالتستر طبقا لما نشرت جريدة الرياض حديثا، هذا التطرف في التعامل مع السياسة العمالية على عدة أصعدة يدل على استفحال المرض وعدم جدوى الحلول الترقيعية.
انتقلت المملكة خلال جيل ونصف تقريبا من مجتمع عامل حيث كان السعودي يعمل في كل المهن إلى وضع يصفه وزير العمل السعودي بحالة من الإحباط. تأتي هذه الخلفية على أثر نمو سكاني هائل وتجربة تنموية وإدارية طويلة ومحاولات لإيجاد سياسة عمالية تتناسب مع المرحلة الحالية، نشكر معالي الوزير على إعلان حالة الفشل هذه، ولعلها تسجل للوزير وأن تكون نقطة انعطاف وبداية جديدة لسياسة عمالية قادرة على خدمة ملايين العاملين وطالبي العمل الآن وفي المستقبل. الاختبار الحقيقي للتنمية في المملكة هو مدى استيعاب الملايين في سوق عمل ديناميكي ومنتج معنويا وماديا، لا يطمح هذا العمل لرسم سياسة عمالية جديدة، بل فقط تركيز الأنظار على الحاجة إلى سياسة عمالية جديدة. لفت نظري حديثا أن إحدى الشركات السعودية غيّرت اسم إدارة شؤون الموظفين إلى اسم جديد هو: رأس المال البشري، ولعل في تغيير الأسماء بداية إعلان جديد عن سياسة جديدة، فلماذا لا نغير اسم الوزارة إلى وزارة الطاقات البشرية؛ ولكن الاسم وحده لا يعني الكثير.
سياستنا العمالية على جميع الأصعدة ومنذ بداية الاهتمام بهذا الموضوع تتسم بعدة معالم، أولها: أننا نفكر دائما في الحاجة للاستبدال على حساب النمو الاقتصادي، إذا كان النمو الاقتصادي هو الهدف تحقق لنا التوظيف الأمثل لجميع الطاقات البشرية.
ثانيا: لم نفكر أبدا في العلاقة الاقتصادية المتبادلة بين الآلة والبشر ولذلك تجدنا نستقدم أرخص العمالة الممكنة على حساب الاستثمار في رأس المال التقني آليا وبشريا.
ثالثا: عدم وضوح العلاقة بين القطاعين العام والخاص، فنظرا لكبر حجم القطاع العام ومضمونية الوظيفة فيه تسعى الأكثرية إلى محاولة الحصول على وظيفة لا تحمل مخاطر على حساب عدم الإنتاجية. لذلك تجد الكثير من طالبي العمل في حالة انتظار معلقة للحصول على وظيفة حكومية بسبب تراجع التخصيص.
رابعا: غياب القدوة فكما ذكرنا في مقالة سابقة حول التعليم العالي، أصبحت الشهادة أهم من روح التعليم.
خامسا: عدم ثبات سياسة الاستقدام وهذا يحمل رسائل متناقضة أحيانا للفعاليات الاقتصادية من شركات أو أفراد.
سادسا: أدت هذه البيئة إلى تراكم العيوب وصعوبة الحلول فالنجاح يولد نجاحا آخر وكذلك التقصير.
الواضح من معالم السياسة العمالية في المملكة أنها تتعدى مسؤولية الوزارة ولذلك فإن اعتراف الوزير مرحب به ولو أنه متأخر. علينا جميعا العمل على التعاون لبدء سياسة طاقة بشرية جديدة. يأتي الحل من خلال التعامل بجدية مع المعالم المذكورة المؤثرة في الطاقة البشرية بتفكير منهجي ووضوح للوصول إلى الهدف المنشود. بيت القصيد أنه دون نمو اقتصادي مؤثر لن تنمو حصة السعوديين من الوظائف ذات الدخل الجيد. الطاقات البشرية أهم من سوق العمل، فالإنسان هو العامل وهو هدف السياسة العمالية، ولذلك هذه المهمة تتطلب أكثر من وزارة ـ بل برنامجا وطنيا شاملا.