تكاليف القوى البشرية في القطاع الخاص .. تفاوت مستغرب
تعتبر القوى العاملة أو الموارد البشرية من أهم عناصر النجاح لأي منشأة مهما كان نشاطها، فمتى شعر الموظفون أن بيئة العمل تتصف بالعدالة والمساواة وتوفر نظام حوافز عادلا ومحفزا فهم سيشعرون بلا شك بالراحة والاطمئنان وسيمكنهم ذلك من العطاء بلا حدود للمساهمة في تحقيق أهداف المنشأة الربحية والعكس صحيح.
في الغالب تُدرج المنشآت تكاليف الموظفين ضمن بند واحد في قائمة الدخل يشمل إضافة إلى الرواتب, البدلات مثل بدل السكن والمواصلات والحوافز السنوية والعلاج ومكافأة نهاية الخدمة وأقساط التأمينات والعمل الإضافي وغيرها، ويفترض أن يكون متوسط تكلفة العامل الواحد في المنشآت التي تعمل في اقتصاد واحد متقاربة، لكن هذا الافتراض غير صحيح فهناك تفاوت كبير جدا بين المنشآت العاملة في السوق السعودية يجعل تحليله أمرا مهما للباحثين والمهتمين بشؤون العمالة والسعودة.
فعلى سبيل المثال، لو أخذنا متوسط تكلفة الموظف الواحد في أربع شركات سعودية تتداول أسهمها في سوق المال فسنجد أن أحد البنوك يدفع نحو 576 ألف ريال سنويا للموظف الواحد كمتوسط بينما تدفع شركة أخرى تعمل في نشاط الاتصالات 202 ألف ريال وأخرى في مجال الأسمنت 94 ألف ريال، أما إحدى الشركات العاملة في النشاط الزراعي فتدفع 55 ألف ريال، ويلاحظ أن هناك تفاوتا كبيرا في التكلفة يصل إلى عشرة أضعاف.
أعلم أن القطاع البنكي من القطاعات الحيوية وأن الموظفين فيه أو جلهم على درجة كبيرة من التأهيل العلمي والخبرات، وأعلم كذلك أن النشاط الزراعي لا يتطلب كفاءات متخصصة في السواد الأعظم من وظائفه، لكن ما أردت إيضاحه هنا أن التفاوت الكبير في الدخول بين موظفي منشآت القطاع الخاص يثير علامات استفهام حول العدالة في الرواتب ولا سيما أن جميع تلك المنشآت تعمل في سوق واحدة.
إن مثل تلك المقارنات والدراسات التحليلية هي الأساس الذي ينبغي أن تستند إليه وزارة العمل عند بحثها عن أسباب عزوف السعوديين عن العمل في بعض المهن والوظائف كما أنها تعطي مؤشرا يمكن أن يفيد في توجيه الطلاب إلى التخصصات التي توفر لهم دخولا أعلى.
من هنا فإن التركيز على الظواهر دون تحليلها بشكل علمي لن يفيد في المضي بخطط التوظيف إلى النجاح الذي تستهدفه ويفوت الوقت الثمين لعلاج قضية السعودة التي تعتبر من أهم القضايا التي يعانيها مجتمعنا.
لا أعلم لماذا نهتم بسعودة مهن مثل السباكة أو السواقة أو الحلاقة، بينما توجد في السوق عشرات الآلاف من الوظائف في المهن الصحية المساعدة سواء كان ذلك في القطاع الخاص أو في القطاع الحكومي؟ توفر للعاملين فيها رواتب جيدة عدا أنها مقبولة من قبل عموم المجتمع.
ولا أعلم كذلك لماذا لم تتبن وزارة العمل إنشاء معهد للتدريب على أعمال التأمين يوفر للشركات الجديدة الكفاءات الوطنية المؤهلة في هذا النشاط، والأمر كذلك لنشاط السياحة ونشاطات أخرى كثيرة تتميز وظائفها بمتوسط رواتب جيد وقبول من المجتمع وهما الأساس لنجاح السعودة.
ولعلي في الختام أركز على الموضوع الذي بدأت به وهو أن سوقا مثل المملكة لا ينبغي أن تتفاوت فيها الرواتب لتصل إلى عشرة أضعاف خصوصا أننا لا نتكلم عن مزايا لمستويات إدارية عليا بل عن شركات قائمة تعكس رواتبها الواقع الذي تعانيه سوق العمل لدينا، فيمكن القبول بتفاوت يصل إلى ضعفين أو ثلاثة لكن لا يمكن تبرير تفاوت يصل إلى عشرة أضعاف كما هو حاصل اليوم.