الشورى و"معاناة الناس" مع النقل الجوي
دخول مجلس الشورى في النقاش الوطني حول تخصيص قطاع النقل الجوي ضروري ـ لأن ثمة أسئلة أساسية يجب أن تطرح ـ فالمؤشرات التي بين أيدينا غير مريحة وربما نحن إزاء مفارقة، ففي الوقت الذي بدأ تخصيص القطاع عبر إدخال شركات جديدة، نجد أن (النقل البري) يزدهر بالذات في المناطق التي انتقلت فيها خطوط الطيران من احتكار إلى احتكار!
والغريب أن مرحلة التخصيص حملت معها إشكالات ليس للناس فقط الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام وضع لا يحسدون عليه، خصوصا في بلد مترامي الأطراف مثل المملكة، بل حتى الشركات الخاصة التي دخلت الخدمة، هي الأخرى وجدت نفسها أمام أوضاع جديدة لم تستعد لها بالشكل الكافي، لتتمكن من تغطية رحلات يومية تتجاوز 70 رحلة، فلم تستعد بطائراتها ولا طواقمها الإدارية وخدماتها الفنية. كما أنها دخلت بمفهوم جديد للخدمة لم يستوعبه الناس ولم يدركوه.
وما جعل هذه البداية للتخصيص صعبة على الناس وعلى العاملين فيه هو تزامنها مع التوسع في النشاط الاقتصادي وارتفاع الطلب على النقل الجوي، وارتفاع عدد مشاريع الحكومة في مناطق المملكة المختلفة، هذه المتغيرات جميعا يبدو أنها لم تكن مأخوذة في الاعتبار عند التوسع في شركات النقل الجوي.
التخصيص يعني (خدمة أفضل) و(أسعارا أقل)، هذا المفهوم لن يتحقق طبقا للواقع الذي بين أيدينا، والناس كل ما يرجونه الآن هو أن تتحسن الخدمة حتى لو ارتفعت الأسعار، لذا من الضروري والمفيد أن يدخل مجلس الشورى بقوة لمطالبة الحكومة بالنظرة الموضوعية التي تراجع الوضع القائم حتى لا يتحول النقل الجوي إلى مصدر لآلام الناس وبوابة جديدة تفتح للتذمر الاجتماعي.
يهمنا جدا استمرار برامج تخصيص القطاع وعدم تأخره، فصناعة النقل الجوي تأخرنا كثيرا في بنائها حتى ضاعت منا الفرص وذهبت إلى جيراننا، واستعادتها تتطلب الكثير من الجهد والإبداع في المبادرات وأيضا النفقات الكبيرة، واستمرار مثابرتنا على التأخر بدفع أولويات هذا القطاع دون شك يرفع التكلفة ويعظمها على الاقتصاد ويكرس معاناتنا الاجتماعية ويضيف إلى رصيدنا في تضييع الفرص.
الربكة التي حدثت في فتح المنافسة نتطلع إلى معالجتها بالتفكير العلمي الموضوعي الذي يجمع كل الأطراف الناقلة لتكون (جزءا من الحل) فالأخطاء واردة والعيب في عدم الاعتراف بها، والمبادرة في هذا الاتجاه الإيجابي ضرورية حتى لا تتعثر الخطوات الإيجابية التي تتم لتخصيص المطارات ولتخصيص الخطوط السعودية، وغيرها من الإجراءات التي باشرتها "الطيران المدني"، وأيضا حتى لا يتضرر ويتعثر المستثمرون الذين دخلوا هذا القطاع.. يهمنا نجاحهم ويهمنا نجاح القطاع بشكل عام، وقبل هذا يهمنا إنهاء (معاناة الناس) الذين هم أكبر من يدفع ضريبة برنامج التخصيص بدل الانتفاع به!