على عهدة وزير الاقتصاد والتخطيط .. الســـعودية نمر آسيوي في عام 2024
نعرف جميعاً أن المواطن السعودي يتمنى أن تكون المملكة دولة متقدمة وليست دولة نامية، وفي الشهر الماضي أطلق الدكتور خالد القصيبي وزير الاقتصاد والتخطيط تصريحا صحافيا مدوياً قال فيه إن الاقتصاد السعودي ســيكون بحلول عام 2024م اقتصاداً متطوراً ومنتعشــاً ومزدهراً قائماً على قواعد مســتدامة موفراً فرص عمل مجزية لجميع المواطنين القادرين على العمل متســماً بنظام تعليم وتدريب على الجودة والكفاءة وعناية صحية متميزة متاحة للجميع. والحقيقة أنني دهشـت وأنا أقرأ هذا التصريح الذي أدلى به الوزير لأنني سبق أن قرأته في مدخل موقع الوزارة على شبكة الإنترنت، والدهشة ســببها أن التصريح أدلي به على لسان الوزير دون أن يســتخدم أي معيار اقتصادي يعزز مضمون التصريح الذي لا يعبر عن أحلام الوزارة فحسب وإنما يحمل تطلعات الشعب السعودي بأكمله، لم يشــر الوزير إلى معدلات الزيادة في الناتج الوطني الذي سـيبلغه الاقتصاد السعودي في عام 2024، ولم يشر التصريح إلى معدلات البطالة التي سيبلغها في العام ذاته، ولم يوضح توقعاته إزاء معدلات نمو الدخل الفردي السعودي مقارنة بما يتوقع أن يكون عليه معدل نمو الدخل الفردي في دول الخليج، بل لم يقل متى يسـتطيع الاقتصاد السعودي أن يخرج من تحت عباءة البترول وتصبح موارده متنوعة, ولا بأس أن يكون البترول مورداً من موارد الدولة، ولكن أن يظل هو المورد الغالب الذي يضع الاقتصاد رهينة تقلبات السوق البترولية فقط، أو تحت رحمة دول تريد أن تستخدم البترول في تجاذباتها السياسية.
هذه من الأشـياء التي كنا نتمنى أن تكون متضمنة ذلك الكلام العفوي الذي قاله الوزير دون معدلات ومؤشرات اقتصادية تعززه وتجعله كلاما يســتحق أن يصدر عن وزارة اسمها وزارة الاقتصاد والتخطيط ولاسيما أن الوزير كان يتحدث عن نتائج ثلاث خطط تنموية قادمة.
إن الاقتصاديين السعوديين قلقون جدا من المستوى الاقتصادي الذي سيكون عليه المواطن السعودي بعد أفول عصر البترول ويقولون إن قلق المواطن السعودي له ما يبرره، فالازدهار الاقتصادي الذي يمر به الاقتصاد السعودي حالياً يمر وخطط التنمية قد لا تتفاعل معه.
إن السعودية نفذت ثماني خطط تنموية في 40 عاماً، ومع ذلك مازال الاقتصاد السعودي ــ من حيث الموارد ــ عند النقطة التي بدأت مع مشارف خطة التنمية الأولى في عام 1970م، أي أن البترول مازال هو المورد الرئيسي للاقتصاد السعودي، وخطط التنمية تبدو وكأنها مجرد كتاب للذكرى والتاريخ، بينما نفذت تركيا أخيرا خطتين تنمويتين في عشر سنوات، وبلغت ما لم نبلغه في 40 عاماً، وانتقلت بتركيا لتكون دولة تستطيع أن تنافس في أسواق الاتحاد الأوروبي جنبا إلى جنب مع اقتصادات دول أوروبا المتقدمة.
إن سنغافورة أصبحت من المنتجين الرئيسيين للسلع الإلكترونية، وكوريا تبني خطوط إنتاج لأجمل السيارات التي نراها في أسواقنا، والهند تتقدم لإنتاج برمجيات إلكترونية متعددة الاستخدام تقتحم بها كل أسواق الدنيا، وماليزيا تستخدم التنافسية في اقتحام المزيد من الأسواق العالمية، أمَا تركيا فهي ــ كما ذكرنا ــ النمر الجديد الذي دخل حديثاً نادي النمور الآسيوية واسـتطاعت في عشر سنوات فقط أن تفتح أسواقاً لمنتجاتها في كل أسواق العالم وبالذات في السوق الخليجية والأمريكية والأوروبية، وباتت تركيا اليوم على مشارف أسواق الاتحاد الأوروبي تتحدى بالجودة والأسعار المجزية.
إننا نتمنى تقدم المملكة مع سنغافورة في مجالات حيوية, مثل إنتاج السلع الإلكترونية، وقد نسأل لماذا لم تكن المملكة مع كوريا تنتج السيارات الفارهة؟ ولماذا لم تكن المملكة مع الهند تصدر البرمجيات الإلكترونية؟ ولماذا لم تكن المملكة مع ماليزيا تستخدم التنافسية لاقتحام الأسواق العالمية؟ ولماذا لم تكن المملكة مع تركيا تدخل نادي النمور الآسيوية؟ ما الذي أجل كل هذه المشاريع طالما أن الإمكانات متوافرة والحكومة تدعم بقوة، والتطلعات المأمولة موجودة عند أصحاب القرار، وطالما أننا أصبحنا عضواً في نادي منظمة التجارة العالمية؟!
إذا رجعنا إلى مجلد خطة التنمية الأولى التي صدرت في عام 1970م وطالعنا الأهداف الرئيسة ثم قارنا هذه الأهداف بالأهداف الرئيسة في خطة التنمية الثامنة .. نجد أننا وبعد 40 عاما مازلنا نعتمد ــ كما ذكرت ــ على المورد الواحد، أي مازالت إيرادات البترول تشكل نحو 85 في المائة من الدخل الوطني، بمعنى مضى وانقضى نصف قرن دون أن نبني قواعد إيرادية جديدة للدولة، بينما بعض دول الخليج خرج من عباءة البترول كمورد رئيسي وأدرك موارد جديدة حتى أصبح البترول يمثل أقل من 50 في المائة من الدخل الوطني.
إن النقطة المهمة جدا في مجمل تاريخ التنمية في المملكة هو أن المشاريع التي جاءت من خارج خطط التنمية هي المشاريع التي ستأخذنا إلى نادي النمور الآسيوية، وهى المشاريع التي ستخرجنا من تحت عباءة البترول.
ولا شك أن مشاريع المدن الصناعية والشراكة مع الدول المتقدمة وتأسيس جامعة الملك عبد الله بن عبد العزيز.. هي المشاريع المعنية بإحداث التغيير، ولذلك يجب على خطط التنمية أن تستوعب مخرجات المدن الصناعية كمدينة الملك عبد الله الاقتصادية ومدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد، كذلك يجب أن تستوعب مشاريع الشراكة مع دول النمور التي وقعها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، وقبل ذلك يجب أن تستوعب خطط التنمية حجم النقلة التي ستحدثها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا في المجتمع السعودي المعاصر.
والمأمول أن تقوم هذه المؤسسات والاتفاقيات والأنظمة الجديدة بعمليات نقل المجتمع السعودي ــ خلال السنوات الـ 15 المقبلة ــ من مجتمع اتكالي إلى مجتمع إنتاجي، و من مجتمع تقليدي إلى مجتمع صناعي، ومن مجتمع نام إلى مجتمع متقدم. أي من المحتم أن تنتقل المملكة بعد تنفيذ ثلاث خطط تنموية من دولة نامية .. إلى نمر آسـيوي مثلها مثل كوريا والهند وسنغافورة وماليزيا وتركيا.
وإذا كان هذا الشيء غير متوقع بعد تنفيذ كل هذه المشاريع، فواجب خطط التنمية أن تجعله متوقعاً وقابلا للتنفيذ من خلال سلسلة من البرامج والمشاريع الشاملة والمستدامة.
إننا نتمنى أن نغير صياغة الأهداف الرئيسة في خطط التنمية وأن نضع هذا الهدف هو الهدف الرئيسي الأول، أما الأهداف العامة والفضفاضة فيكفيها أنها احتلت الصفحات الأولى من خطط التنمية طوال 40 عاماً، وحان الوقت لكي نشطب إكسسوارات الكلام ونحاسب على ما تحقق وما لم يتحقق من مشاريع خطط التنمية.