المجالس البلدية .. الإطار أكبر من الصورة..؟! 2/2

[email protected]

كنت قد تحدثت في الأسبوع الماضي عن الإحباط الذي أصاب بعض أعضاء المجالس البلدية وإحساسهم بعدم قدرتهم على تحقيق إنجازات ملموسة وتلبية احتياجات سكان المدن. والسبب فيما يبدو واضحا جليا يعود إلى وجود ثغرة كبيرة بين التطلعات والطموحات في تحقيق التنمية المحلية والرغبة في معالجة المشاكل والقضايا المحلية من ناحية والحجم الضئيل للصلاحيات والدور المقتضب للمجالس البلدية، إضافة إلى أن المجالس البلدية معنية بجزء يسير من شؤون المدينة وإدارة المجتمع المحلي وبالتالي من الظلم تحميلها ما لا تحتمل ومطالبتها بتناول قضايا هي ليست من صميم مسؤولياتها. وقد يكون العنوان يصف بدقة حال الإدارة المحلية من حيث أنها اختزلت في المجالس البلدية، بينما هناك فروع للأجهزة المركزية تتداخل في الشأن المحلي. وخلصت إلى أن الوضع القائم للإدارة المحلية يتنافى مع جوهرها والفكرة الأساسية من كينونتها وهو صناعة القرار المحلي ليعكس توجهات وآراء ورغبات السكان وأولوياتهم. إن التجربة الأولى للمجالس البلدية تمثل بداية على الطريق الصحيح وفي الوقت ذاته محطة مهمة تحدد مستقبل الإدارة المحلية إما إيجابا أو سلبا. ولذا فان نجاح المجالس البلدية مرهون بمنحها الصلاحيات اللازمة التي تمكنها من أداء المطلوب ليس في إطار العمل البلدي التقليدي وحسب وإنما في دائرة أوسع تشمل جميع قطاعات المدينة. ولذا قد يكون من الإجحاف تقييم التجربة على أساس أداء الأعضاء الذين لم يمكنوا في الأساس من لعب الدور المطلوب والمتوقع ولم يمنحوا الصلاحيات التي تجعلهم قادرين على مواجهة التحديات والتصدي للقضايا المحلية بما يتناسب مع المسؤوليات الملقاة على عواتقهم .
إن الوضع الحالي للإدارة المحلية يكتنفه الغموض وتعدد الوحدات الإدارية التي لا رابط نظاميا بينها ينسق جهودها ويوحد أهدافها، بل على العكس تماما هناك الكثير من التناقضات والتضاد في قراراتها وسياساتها. ولذا لم يكن من الصعب على من يقرأ الوضع الحالي للإدارة المحلية ملاحظة حال التشرذم الإداري الذي تعاني منه. يعود هذا بطبيعة الحال إلى عدم وجود هيئات محلية مسؤولة عن إدارة المدينة إدارة كاملة شاملة مستقلة ماليا وإداريا ترعى مصالح السكان وتستجيب لمتطلباتهم الحقيقية وتتحمل المسؤولية كاملة عن قراراتها تجاه السكان. لا شك أن الوضع يتطلب أساليب ونظما جديدة لإدارة المجتمعات المحلية تكون منسجمة مع معطيات المرحلة الحالية وتستوعب المستجدات والتغيرات المستقبلية.
الحديث عن الإدارة المحلية لم يعد من باب الترف الثقافي والاستهلاك السياسي، بل هو ضرورة تحتمها التغيرات على الساحتين الداخلية والخارجية. فعدد السكان تضاعف عدة مرات وخاصة في المدن التي تزايدت أعدادها وتغيرت أنماط الحياة وتعددت الثقافات وظهرت قضايا ومستجدات لم تعهد من قبل وتحديات خارجية يأتي على رأسها العولمة والانفتاح الاقتصادي والمنافسة العالمية الشديدة والتقدم في تقنية الاتصالات، كل ذلك استوجب نظما جديدة للضبط الاجتماعي وتضييق نطاق الإشراف حتى تكون المسؤوليات محددة وواضحة. إن إنشاء هيئات محلية مستقلة ماليا وإداريا مسؤولة عن إدارة المدن هو بمثابة نظام رقابي وآلية تمكن المسؤولين في الحكومة المركزية من التعرف على مجريات الأمور ومتابعتها بشكل دقيق ومحدد، وفي الوقت ذاته تخضع للرقابة والمساءلة من قبل سكان المدن. هكذا وفي إطار قانوني واضح المعالم تحدد المسؤوليات وتبين إجراءات المحاسبة وكيفية تقييم الأداء على أساس من الشفافية والمشاركة الفاعلة.
إن الانفتاح الاقتصادي العالمي أظهر أهمية المدن والمحليات في المنافسة العالمية فلم تعد المنافسة محصورة داخل الدولة وإنما تتعداها إلى خارج الحدود التي لم تعد تمثل حاجزا أمام هذه الموجة العاتية من المنافسة. وهذا يحتم إعادة النظر في دور المدن الاقتصادية وإسهاماتها في قوة الاقتصاد الوطني. إن قدرة المدن على المنافسة والتنمية المحلية والإنتاج والتميز يتطلب نظما إدارية تمكنها من صناعة مستقبلها واستكشاف وتحريك وتنمية مواردها تجاه أهداف استراتيجية. إنه السعي الجاد والحثيث لجعل المجتمعات أكثر نضجا وأكثر مسؤولية تجاه مصالحها. إن المجتمعات المحلية الناضجة القادرة والراغبة في تحقيق تنمية محلية هي من يسهم في زيادة الإنتاج الوطني وحصة مشاركته في السوق العالمية. إنها المجتمعات المحلية جذور التنمية الوطنية التي يجب سقايتها والعناية بها ورعايتها بنظم إدارية تجعلها قادرة على العطاء والمشاركة الإيجابية.
كثير من المشكلات التي نواجهها على الصعيد الوطني هي في أساسها محلية تحتاج إلى حلول محلية! ولذا من المستغرب أن تهرع الأجهزة المركزية لمعالجة المشاكل المحلية، بينما هي من صلب مسؤوليات الإدارة المحلية أو هكذا يفترض. وقد يكون لعدم وجود هيئة محلية مسؤولة عن التصدي للقضايا المحلية هو ما يجعل الأجهزة المركزية تتدخل بالشأن المحلي. على سبيل المثال عندما ظهرت مشكلات الوادي المتصدع وإنفلونزا الطيور ونفوق الجمال لم تكن الأجهزة الفرعية للوزارات على استعداد للتصدي لهذه المشكلات وغير قادرة على التنسيق فيما بينها وعلى تحديد أي منها مسؤول عن معالجتها! وحقيقة الأمر أن جميعها كأجهزة تنفيذية محلية مسؤولة عن ذلك، لأن المشكلات المحلية في طبيعتها معقدة ومتداخلة ولا يمكن معالجتها بالنظر إليها من زاوية جهوية. وهذا يبدو جوهر الإشكالية في فهم طبيعة إدارة المدن من عدم استيعاب الفرق بين طبيعة المشكلات والقضايا المحلية والوطنية.
إن العبرة بالنتائج، والنتائج تشير إلى أن المجالس البلدية غير قادرة على أداء الأدوار المطلوبة، والسبب أنها لم تأت في سياق وإطار المتغيرات واستجابة للمستجدات ولم ينظر إليها من زاوية أنها نواة للإدارة المحلية. إن تقييم أداء المجالس البلدية يجب ألا يكون بأي حال من الأحوال مرتكزا على التطبيق وحده ولكن على الجانب القانوني ومراجعة الصلاحيات والأدوار الممنوحة. القضية تتعلق بالعمل المؤسسي المحلي والتنظيمات التي تكفل تحقيق قيم الكفاءة والفاعلية والمشاركة والشفافية والمساءلة والعدل والمساواة.
الوضع الحالي للإدارة المحلية يصعب وصفة، لأنه هلامي! إذ إن صناعة القرار المحلي تتداخل فيها عدة جهات مركزية، فهناك فروع الوزارات والمجالس المحلية والمجالس البلدية، هذا بالإضافة إلى مجلس المنطقة الذي هو في الأساس إدارة إقليمية وليس محلية! هذا التشرذم الإداري والمركزية الشديدة وعدم وجود نظام خاص بالإدارة المحلية يجعل من الصعب تعريفها وتحديد ماهيتها. الوضع الراهن هو في حقيقته مركزية القرار محلي التنفيذ وهو يتنافى مع جوهر الإدارة المحلية في تطبيق اللامركزية، حيث إن مرجعية جميع الأجهزة المحلية المسؤولة عن تقديم الخدمات تكون لأجهزتها المركزية في صناعة القرار المحلي وليس للسكان المحليين! إن اختزال صناعة القرار المحلي في المجالس البلدية لا يعكس الواقع ويجعل الإطار أكبر من الصورة. إن ما ينبغي العمل عليه هو إصدار نظام للإدارة المحلية يحدد العلاقة بين المحليات والمستويات الحكومية المركزية والإقليمية ويحقق التنسيق وتوحيد المسؤولية في هيئات محددة لصناعة القرار المحلي محليا. وبشكل تفصيلي يمكن منح المجالس البلدية سلطة التشريع وتكون مسؤولة عن جميع الشؤون المحلية للمدينة مستقلة ماليا وإداريا ونطاق إشراف مكاني محدد وموثق قانونا، ويتم التعامل مع المدن كونها وحدات سياسية / إدارية. أما المجالس المحلية التي يتكون أعضاؤها من مسؤولي فروع الوزارات فتكون سلطة تنفيذية للمجالس البلدية، وفي الوقت ذاته تتلقى الدعم الفني والإداري من الأجهزة المركزية. وهكذا تكون هناك هيئتان رئيستان في الإدارة المحلية جهة تشريعية وأخرى تنفيذية لديها من الصلاحيات المالية والإدارية ما يمكنها من صناعة القرار المحلي ويلبي احتياجات السكان وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية. إن إصدار نظام خاص بالإدارة المحلية يحدد الأدوار والصلاحيات وكيفية إنشاء الوحدات المحلية ونطاقها الإداري ومسؤولياتها كفيل بأن يحقق الكفاءة والفاعلية والإنتاجية على المستوى المحلي وفي الوقت ذاته يضمن الضبط الاجتماعي والأمن الوطني بتضييق نطاق الإشراف بالتعامل مع هيئات محدودة العدد. إن نظام الإدارة المحلية يمكن أن يكون جزءا من منظومة إدارية أو قانون عام يحدد المسؤوليات والأدوار والصلاحيات بين المستويات الإدارية الوطنية والمناطقية والمحلية. هذا التسلسل الإداري وتفويض الصلاحيات هو آلية رقابية وليس كما يظن البعض في الأجهزة المركزية أنها تقلل من السيطرة والرقابة المركزية. وهنا من الضروري التأكيد مرة أخرى أن المقصود من التفويض هو منح صلاحيات لهيئات محلية وليس للإدارات داخل التنظيمات البيروقراطية (الوزارات). لا يكفي الحديث عن تفعيل المجالس البلدية ولا حتى انتخاب نصف أعضائها، ولكن مجالس تملك الصلاحيات المالية والإدارية تمكنها من إدارة المجتمعات المحلية بشكل فاعل وشامل، وإلا سيبقى الإطار أكبر من الصورة!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي