السعوديون في شمال السودان .. هل هو مؤشر على قرب انخفاض أسعار الغذاء؟
في تقرير بعنوان "أزمة الغذاء العالمي تسونامي صامت"، أوضح برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة بتاريخ 22 نيسان (أبريل) الماضي, أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يشكل التحدي الأكبر أمام البرنامج منذ بدايته، أي قبل نحو 45 عاماً. وجاء هذا التقرير مؤكداً لتقديرات البنك الدولي السابقة بدخول نحو 100 مليون شخص حول العالم في دائرة الجوع هذا العام نظراً لتضاعف أسعار المواد الغذائية بنحو الضعفين خلال السنوات الثلاث الماضية. وعلى الرغم من عدم تطرق التقرير إلى أسباب تضاعف أسعار المواد الغذائية عالمياً وتهديد هذا الارتفاع أن يؤثر في معدلات التضخم في الاقتصاد العالمي ككل، إلا أن هناك توافقاً بين المحللين الاقتصاديين والسياسيين أن ارتفاع استهلاك المواد الغذائية من قبل الاقتصاديات الناشئة الأسرع نمواً وعلى رأسها الصين ثم الهند والبرازيل قد رفع من الطلب الكلي العالمي على المواد الغذائية بشكل لم تتم مقابلته بزيادة المعروض من المواد الغذائية بما يحتم ارتفاع أسعار هذه المواد عالمياً. وهنا أشدد على أنه حق طبيعي للدول السابقة ومواطنيها الاستفادة من عوائد النمو ورفع معدلات الاستهلاك، فالمنظمات الدولية ذاتها التي تشير إلى تسبب النمو الاقتصادي الصيني مثلاً في ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية عالمياً كانت قد أشادت قبل ذلك بقدرة الصين على خفض عدد الفقراء بنحو 400 مليون خلال 20 عاماً بين 1981 و2001، أي إخراج هذا العدد الهائل من دائرة الفقر والعوز تبعاً لتعريفات البنك الدولي، وهذا يعد من أكبر الإنجازات المشاد بها في أدبيات اقتصاديات التنمية. لذا، هل من الحق أن نلومهم بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية؟
ومن الأسباب الأخرى لارتفاع أسعار المواد الغذائية يأتي ارتفاع أسعار النفط وتأثير ذلك في ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، انخفاض الدولار وبالتالي ارتفاع تقييم السلع بالدولار للحفاظ على القيمة الحقيقية التي تعبر عن مستوى التوازن بين العرض والطلب، ارتفاع الطلب على الوقود الحيوي الذي يستهلك مدخلات إنتاج بأحجام كبيرة من الذرة وقصب السكر، موجة الجفاف التي اجتاحت بعض المناطق الزراعية كأستراليا، وغيرها من الأسباب الأقل تأثيراً في ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأعوام القليلة الماضية.
ونظراً لتباين الأسباب التي تقف خلف الارتفاع العالمي في أسعار المواد الغذائية، فإن من المنطقي أن تتفاوت ردود الفعل والبرامج الاقتصادية التي تتبعها مختلف الدول للتقليل من الآثار السلبية التي تطول مستوى الرفاه الكلي وتؤثر في الدرجة الأولى في الطبقة الوسطى وما دونها. لهذا، وأخذاً في الحسبان تفاوت أسباب الارتفاع التي ذكرت سابقاً، فإن الحلول التي ستلجأ إليها الدول تختلف تبعاً لطبيعة اقتصادياتها، ميزاتها التنافسية والفرص المتاحة، ودور الزراعة في الاقتصاد الكلي. فكمثال على حلول المدى القصير، يعد طلب برنامج الغذاء العالمي للأمم المتحدة لنحو 756 مليون دولار إضافي من الدول المانحة لمواجهة نقص المواد الغذائية وارتفاع أسعارها حلاً قصير المدى إذا استهدف توفير المواد الغذائية الجاهزة أو المساهمة في دعم أسعار السلع الغذائية، أما في حالة توفير التمويل الضروري للقيام بعمليات التنمية الزراعية فإن الحل يأخذ مدى زمنيا متوسطا كما يصل إلى المدى الطويل لأكثر من خمس سنوات في مشاريع الإصلاح الزراعي الاستراتيجية.
ومن المهم التأكيد على أن وجود جوانب هيكلية وراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية والزراعية سيؤدي غالباً إلى تغيرات استراتيجية في القطاع الزراعي وقطاع الصناعات الغذائية العالمي بالاعتماد على قوى السوق وقوانينها. فارتفاع أسعار المواد والسلع الغذائية والزراعية سيغري المزيد من المستثمرين إلى الدخول في استثمارات القطاع الزراعي لكون حسابات العائد على الاستثمار تعتمد بدرجة كبيرة وترتبط بعلاقة طردية مع مستوى الأسعار. إضافة إلى ذلك، فإن عمليات البحث والتطوير ستنشط بسبب الارتفاع المتوقع في إنفاق الشركات الزراعية والغذائية بجانب وزارات الزراعة والأمن الغذائي على أقسام البحث والتطوير وأبحاث الهندسة الوراثية. فالهدف النهائي للشركات الزراعية والغذائية ومراكز الأبحاث هو تحسين الجودة، زيادة الكمية المنتجة بأقل تكاليف مادية وطبيعية ممكنة، وتقليل ما يفسد من المحصول من خلال استخدام الهندسة الوراثية ورفع خواص الاستدامة ومقاومة الآفات الزراعية.
وختاماً، فإن الخبر الذي أوردته "الاقتصادية" يوم الإثنين 21/4/2008 نقلاً عن وزير الزراعة للولاية الشمالية في السودان والمتعلق بتسلم طلبات للاستثمار الزراعي شكل السعوديون شركات وأفرادا نحو نصفها, يدل على ديناميكية ونشاط القطاع الخاص السعودي. فالتجاوب للفرص والتحديات التي تفرضها ظروف سوق الغذاء والمواد الزراعية العالمية, إضافة إلى الظروف الداخلية المتمثلة في البدء في إيقاف زراعة القمح محلياً والبحث عن بدائل مجدية كأرض السودان الخصبة تشير إلى تفوق القطاع الخاص السعودي في تطوير الأعمال وسرعة التجاوب مقارنة بغيره في المنطقة. وبالرغم من خصوبة وجودة الأراضي الزراعية السودانية والتشجيع الحكومي للاستثمار العربي، إلا أن المهم عدم ركون المستثمر السعودي إلى الميزات النسبية التي تتمتع بها أرض السودان لأن التحدي يكمن في تطوير ميزات تنافسية مبنية على عمليات البحث والتطوير في تقنيات الري والإنتاج والهندسة الوراثية تسهم في استدامة تفوق الصناعات الزراعية والغذائية السعودية والعربية، فالنجاح في تطوير الأعمال لن يكون نجاحاً يعتد به إن لم يتم استدامته ووضعه على خريطة الصناعات الغذائية والزراعية العالمية.
* كاتب وباحث سعودي