مؤسسة الراجحي الخيرية - خادم العمل الخيري
تجللت كلمة "خادم" بالشرف العظيم عندما اقترنت بالحرمين الشريفين لتعطي دلالة على صفة خادم الحرمين الشريفين ومكانته العظيمة. عندما اختار خادم الحرمين الشريفين هذا اللقب مستبدلا به كل الألقاب الأخرى فقد منح كلمة خادم شرفا لم يسبق لها أن حملته حتى سعى الجميع لحمل لقب خادم إذا اقترنت بخدمة المجتمع أو الخير أو العدل والعلم. لذلك كان لزاما أن يفتخر من حمل وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى بمهنة خادم المجتمع وهو المقال الذي كتبه الأستاذ محمد عبد اللطيف جميل و300 ممن لقبوا بخدام المجتمع ويعملون معه، وبلا شك فإن الأستاذ محمد العبد اللطيف كان يستحق هذه الجائزة بكل جدارة. لم أنته من قراءة المقال حتى تذكرت مؤسسة الراجحي الخيرية وهي تقود العمل الخيري المؤسسي في المملكة إلى رحاب أوسع وتنظيم شامل وطريق أكثر أمانا وثقة. كثيرة هي المؤسسات الخيرية لكن قليلة هي تلك المؤسسات التي يتركز دورها في دعم المؤسسات الخيرية وخدمتها فقط. فمؤسسة الراجحي لا تقوم بالعمل الخيري بذاته على تنوعه بل تقوم بما هو أهم، الدور الذي يجفل عنه الكثير، إنها تقوم بالدعم المستمر للمؤسسات الخيرية.
لقد واجه العمل الخيري المؤسسي أوقاتا صعبة جدا بعد أحداث عام 2000م. انطفأت شموع الثقة، أو كادت، عندما فشلت معظم المؤسسات الخيرية لدينا في تبرير مصادر الدخل والدعم وتبرير أوجه الإنفاق. لم يكن لدى معظم المؤسسات الخيرية - صغيرها وكبيرها - قوائم المالية ترتكز على معايير محاسبية مقبولة، لم يكن لدى المؤسسات الخيرية خطط استراتيجية واضحة المعالم ومعلنة وقابلة للتنفيذ يمكن متابعتها والتقرير عنها ومن ثم المحاسبة عن المسؤولية عنها. كل ذلك الإخفاق الذي صاحب العمل الخيري وفي التنظيم على وجه الخصوص أدى إلى إغلاق مئات المؤسسات الخيرية التي لم تستطع أن تقدم إقرارات واضحة عن أعمالها. وقال القائمون على العمل الخيري وهم يرفعون الأيدي استسلاما أمام هذه الأسئلة الصعبة بأنه ما على المحسنين من سبيلا، مبررين بها كل إخفاقهم في تقديم عمل خيري منظم يمكن المحاسبة عنه.
ظهرت مؤسسة الراجحي الخيرية ومعظم المكاتب التعاونية والجمعيات الخيرية التي لم تكن لها أوقاف ذات ريع مناسب تعاني نقصا حادا في الموارد ليس لتقديم خدمة العمل الخيري فقط بل لتشغيل المكتب التعاوني نفسه. نقص حاد في الرواتب أدى إلى تسريح معظم الموظفين، إضافة إلى ديون كبيرة مقابل المباني والسيارات المستأجرة. ظهرت مؤسسة الراجحي الخيرية ومعظم المكاتب الخيرية الصغيرة تلفظ أنفاسها الأخيرة. بالتأكيد لم يكن ذلك خطأ المجتمع ولا المؤسسات الحكومية والأمنية بل كان خطأ المؤسسات الخيرية نفسها والتي لم تكن تعمل وفقا لخطط ونماذج مدروسة يمكن تبريرها والدفاع عنها. ظهرت مؤسسة الراجحي كبارقة أمل للعمل الخيري كله.
بدأت المؤسسة بالأهم وهو توفير دعم تشغيلي للمكاتب التي تعاني وضعا صعبا حيث تضمن لها تغطية كاملة للمصاريف التشغيلية لمدة عام كامل على أن تقدم هذه المؤسسات موازنات تشغيلية واضحة. بهذه الخطوة ضمنت المكاتب والجمعيات الخيرية دعما من مصادر موثوقة يمكن الدفاع عنها. لكن قضية الموازنات التشغيلية كانت تعني تطورا يجب أن يتم حتى تستطيع الجمعية الخيرية الحصول على الدعم. إن أي دارس للمحاسبة أو إدارة الأعمال يعي معنى موازنة تشغيلية وما يقتضيه الأمر للإعداد لهذه الموازنة، ولا ينبئك مثل خبير. إنها خطة مدروسة لعام مقبل، إنها تعني تطويرا حقيقيا للسجلات المحاسبية، إنها تعني أهدافا واضحة، إنها تعني قوائم مالية مستقبلية. باختصار إنها تعني تطورا مهما جدا في حياة المؤسسة الخيرية.
إن دعما يأتي من مؤسسة بحجم مؤسسة الراجحي الخيرية يعني اعترافا بالجمعية الخيرية أو المكتب التعاوني هما في أمس الحاجة إليه، لذلك لم يكن أمام هذه المؤسسات سوى السعي لإرضاء الداعم من خلال الالتزام التام بالمتطلبات وتطوير موازنات تحظى بالقبول وبالدعم. لكن أكثر المؤسسات الخيرية والمكاتب التعاونية ذكاء لم يكن يتوقع الخطوة المقبلة لمؤسسة الراجحي. فبعد عامين من الدعم وفقا للموازنة التشغيلية فقط جاءت الخطوة الأهم من المؤسسة بطلب خطة استراتيجية واضحة ومشاريع مدروسة يمكن تنفيذها وتبريرها وهو أمر لم تكن أفضل المكاتب وأكثرها تطورا يؤمن به فضلا عن أن يقوم بذلك تطوعا (وفقا لقاعدة ما على المحسنين من سبيل). بالطبع لقد أسقط في يد جميع المكاتب التعاونية والجمعيات الخيرية التي رأت في دعم مؤسسة الراجحي مصدرا لا يمكن الاستغناء عنه. لكن مؤسسة الراحجي لم تترك المؤسسات التي تدعمها في مهب الريح بل قدمت دورات تدريبية قصيرة لكيفية إعداد الخطة الاستراتيجية ودراسات المشاريع التي تحتاج إلى دعم. كما قدمت نماذج لإعداد الدراسات وتعهدت بالدعم مهما بلغت قيم المشاريع الخيرية ومهما اختلفت وتنوعت طالما أنها مدروسة وبالطريقة التي تقبلها المؤسسة. لقد قامت المؤسسة بعمل خادم العمل الخيري ومن خلف الصفوف بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فلم يبق أمام المؤسسات إلا التدريب و البدء في العمل.
لم تقف مؤسسة الراجحي هنا وهي تخدم العمل الخيري بل وقعت عقدا مع الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين لتنفيذ مشروع إعداد معايير محاسبية للعمل الخيري (سبق وأن كتبت مقالا عن ذلك) معلنة دخول العمل الخيري في المملكة إلى عالم جديد ومدروس ومنظم. إن من عمل في المؤسسات الخيرية والمحاسبة عن أعمالها والتقرير عنها يدرك أهمية وجود مثل هذه المعايير ويدرك الأثر العظيم الذي قامت به مؤسسة الراجحي.
هذا والله من وراء القصد وهو أعلم.