البديل المُدمَّر
في محاضرته التي ألقاها في باريس يوم الخميس 10/4/2008م تناول وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي النعيمي الوضع الراهن للمشهد العام لسوق الطاقة بمصادرها المتعددة في العالم والدور الرئيس الذي سيحتفظ به النفط والغاز في تلبية احتياجات تلك السوق خلال الخمسين عاماً المقبلة. كما استعرض وزير البترول في محاضرته مصادر الطاقة البديلة التي بدأت تطل على السوق ومن بينها الوقود الحيوي (الإيثانول) الذي يتطلب إنتاجه استقطاع حصة لا يستهان بها من المحاصيل الزراعية على حساب توفير الغذاء لإطعام البشر ما ساهم إلى حد كبير في ارتفاع أسعار أقوات الناس في كل ركن تقريباً من أنحاء المعمورة. وقد أشارت جريدة "النيويورك تايمز" في عددها الصادر يوم الثلاثاء 15/4/2008م إلى أن 20 في المائة من إنتاج الذرة في الولايات المتحدة الأمريكية أصبح يخصص لإنتاج الإيثانول كوقود يستخدم في وسائل النقل.
وما يدعو حقاً للقلق أن إنتاج الوقود الحيوي يسلك مساراً تصاعدياً في الولايات المتحدة الأمريكية استناداً إلى قرار صدر في العام الماضي من الكونجرس بزيادة استخدام ذلك النوع من الوقود خمسة أضعاف ما هو عليه الآن، وكذا الحال في الاتحاد الأوروبي الذي رسم لنفسه هدفاً بأن لا تقل حصة الوقود الحيوي عن نسبة 10 في المائة من مجموع الطاقة التي يستهلكها قطاع النقل بكل أنماطه في عام 2020م. تلك السياسات تؤكد أن أزمـة الغذاء في العالم لن تتراجع، بل ربما ستتفاقم، بالرغم من الأصوات العالية المعارضة لبرامج إنتاج الوقود الحيوي على حساب المحاصيل الزراعية، ومن ثم ليس من المستغرب أن وجدت المملكة نفسها في مقدمة صفوف المتضررين من شح إمدادات تلك المحاصيل الزراعية كالأعلاف، الأرز، والحبوب الأخرى بحسبانها أحد أكبر مستورديها على المستوى الدولي وتعتمد عليها بشكل شبه كامل لإطعام الناس وتربية الثروة الحيوانية. وقد تناولت في مقالة الأسبوع الماضي (الثلاثاء 22/4/2008) إحدى الخيارات المتاحة للمملكة للتعامل على المدى الطويل مع ذلك التصعيد المنتظر في أزمة الغذاء.
وما يدعو إلى القلق أيضا أن الاستخدام الجائر لما تنبتـه الأرض من محاصيل كالذرة، فول الصويا، السكر، وغيرها وتحويلها مما ألفه الإنسان منذ بدء الخليقة كمصدر للغذاء والبقاء إلى مصدر لإنتاج الوقود الحيوي على نطاق واسع لا يقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي فحسب، بل انتشر في قارات أخرى أيضا. كما أن ذلك التحول غير المنضبط في استخدامات الثروة النباتية لا تقتصر أضراره على شح إمدادات الحبوب للناس والأنعام، بل تمتد الأضرار إلى الحياة البيئية بكل عناصرها لما يترتب على إنتاج الوقود الحيوي (الإيثانول) من تدمير للغابات وزيادة منتظرة في انبعاثات الكربون، لا تقليصها، كما يروج له البعض. وأحسب أن ما نشاهده في زماننا هذا، وما هو مقبل، من مجاعات، انتشار الأوبئة والأمراض، وكوارث طبيعية هنا وهناك، يندرج تحت الآية الكريمة "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون" الآية 41 من سورة الروم.
إن برامج إنتاج الوقود الحيوي وما يدور في فلكها من برامج مشابهة لا يكفي التصدي لها عبر قنوات الاحتجاج التقليدية، إذ إن مثل ذلك الاحتجاج لن يجد آذانا صاغية لما تحظى به تلك البرامج من دعم شعبي عريض يفرض على صناع القرار هناك التمسك بها. ومن ثم لابد من البحث عن مبادرات مبتكرة تتبناها منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) تجعل من تلك البرامج استثمارا غير مجد اقتصاديا تحت كل الظروف وفي نفس الوقت المحافظة على مصالح أعضائها على المدى الطويل. إذ خلافا لما يعتقده الكثيرون، فإن الدول الغنية بالنفط ليست بمنأى عن تداعيات واستحقاقات الأزمات المقبلة في إمدادات المصادر التقليدية للطاقة أو التقنيات المربكة
Disruptive technologies في ذلك السياق.