رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المجالس البلدية .. الإطار أكبر من الصورة ؟! (1 من 2)

[email protected]

تصريحات بعض أعضاء المجالس البلدية في الأشهر القليلة الماضية يستشف منها أنهم يعانون الإحباط ويشكون من أزمة حقيقية في عدم استطاعتهم تحقيق ما يطالب به سكان المدن وعجزهم عن إحراز أي تقدم على أرض الواقع. ولذا كانت هناك أصوات تلوح بالاستقالة تارة والانتقادات اللاذعة تارة أخرى لعلها تكون مخرجا لهم من مأزقهم والتنصل من تحمل مسؤولياتهم وعذر يخرجهم من دائرة الاتهام والضغوط التي تمارس عليهم من الرأي العام المحلي خاصة أن الفترة الحالية للمجالس البلدية أوشكت على الانتهاء. وهذه نتيجة طبيعية وحتمية لعدم تكافؤ التطلعات والطموحات والاحتياجات لعموم السكان وممثليهم مع الأدوار الضيقة والصلاحيات الضئيلة جداَ للمجالس. فالمجالس البلدية هي في حقيقتها لجان استشارية لا تملك حق التقرير ولا صلاحيات إدارية ولا مالية وهي في الوقت ذاته تدور في فلك الخدمات البلدية التقليدية ولا تعنى بكامل قطاعات المدينة التي ترك حق التقرير فيها لفروع الوزارات المركزية. إن الإشكالية أو ربما المعضلة تكمن في عدم التوازن بين الطموحات والتطلعات من جهة والصلاحيات من جهة أخرى. فتوقعات الناخبين وأعضاء المجالس المنتخبين وتصوراتهم وطموحاتهم للعب أدوار كبيرة لم تستند إلى الجوانب القانونية ولم تأخذ في الحسبان أن نظام المجالس البلدية لم يمنح الصلاحيات المناسبة التي تمكنهم من أداء مهمتهم وبما يتناسب مع القضايا التنموية والمشاكل التي يرغب سكان المدن معالجتها. هكذا إذا وجد أعضاء مجالس البلدية أنفسهم محشورين في حيز ضيق لا يقدرون على فعل شيء مؤثر خاصة فيما يتعلق بالجوانب الرئيسة لحياة الناس وقضاياهم الملحة والتنمية الاقتصادية وصياغة مستقبل المدينة. كان من المفترض ومنذ اليوم الأول بل وحتى أثناء عملية الانتخابات أن يعي المرشحون هذه الحقيقة وأن يوضحوها لناخبيهم، حقيقة أن دورهم استشاري ومحدود وضيق، وبالتالي لا يملكون القدرة على حل مشكلاتهم المحلية المعقدة التي تحتاج إلى صلاحيات تشريعية واستقلال إداري ومالي ومسؤولية تشمل جميع القطاعات في المدينة وليس فقط القطاع البلدي بمفهومه التقليدي الضيق. ولذا يتحمل الكثير من أعضاء المجالس جزء من العتب والملامة خاصة أولئك الذين راحوا يصرحون أثناء الانتخابات بخطب رنانه ويقطعون الوعود في أن يقوموا بمعالجة المشكلات التي تئن منها المجتمعات المحلية مثل مشكلة الإسكان والبطالة والتلوث والازدحام المروري والجريمة وهي في واقع الأمر ليست من اختصاص المجالس البلدية! قد يكون الكثيرون وفي غمرة الاندفاع نحو الحصول على مقعد في المجلس البلدي وقد استهواهم المركز والمكانة الاجتماعية غاب عنهم أنهم سيطالبون من العموم في تحقيق الوعود التي قطعوها على أنفسهم، لكن هيهات أن يوفوا بوعودهم وهم لا يملكون من الأمر شيئا! ففاقد الشيء لا يعطيه. بعض الأعضاء المنتخبين الذين قدموا إلى المجالس بدوافع وشعارات عاطفية وحماسية ومثلهم بعض الناخبين الذين انتخبوهم على ذات الدوافع والتوجهات هم أحد أسباب انتكاسة المجالس البلدية. لأن الفكرة الأساسية من المجالس البلدية هو تغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة أو الانتماءات الثقافية أو القبلية، بينما ما حدث كان على العكس تماما، وهذا ما أصاب المجالس في مقتل! كان من المفترض أن يكون معظم النواب المنتخبين على قدر من الحكمة في معرفة ما يستطيعونه وما لا يستطيعونه وبالتالي السعي للبحث عن تكبير دائرة نفوذ المجلس ليتمكنوا من التأسيس لقاعدة قانونية تستند إليها المجالس القادمة وتكون منطلقا لمزيد من الصلاحيات. إن القضية هي في المقام الأول قانونية تنظيمية وليست فنية إدارية.
ما يخشى على التجربة الأولى للمجالس البلدية هو الحكم بعدم نجاحها من قبل العموم وبالتالي نكون قد فشلنا كمجتمع في ترسيخ مفهوم مشاركة السكان في عملية صنع القرار وتحمل إدارة شؤونهم ومسؤولية التنمية المحلية. إن رفع مستوى النضج الاجتماعي لدى سكان المدن والمتمثل بقدرة ورغبة الأفراد والمؤسسات في الإسهام في تنمية مجتمعاتهم المحلية والاهتمام بها أمر في غاية الأهمية. لم يعد في الإمكان النظر إلى المدن على أنها مستقرات عمرانية تقوم الحكومة المركزية بالإنفاق عليها في علاقة باتجاه واحد بين مانح ومتلق، يقع على عاتق الحكومة المركزية العبء الأكبر دون أن تتحمل المحليات أدنى مسؤولية في إدارة شؤونها. فالمدن أصبحت أكثر تعقيدا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعمرانيا وتتطلب نظما إدارية أكثر قدرة على مواجهة التحديات والمشاكل التي لم تعهدها من قبل. لقد تعددت المدن وزاد عدد سكانها واتسعت مساحاتها وتغيرت اجتماعيا وثقافيا، وحان الوقت للاعتراف بنضجها وان تتحمل مسؤولياتها بنفسها. لا شك أن التحول لأوضاع أكثر نضجا لا يأتي بين ليلة وضحاها، ولكن يتطلب تراكم معرفي وتدرج بالتجربة حتى يعي الناس مفهوم المشاركة ومقاصدها ومعانيها الحقيقية ويتعزز لديهم الانتماء والإحساس بالمكان والاهتمام بالشأن العام المحلي. والسبيل الوحيد إلى ذلك هو عبر إعادة تثقيف المجتمع بقيم المشاركة والبذل والعطاء للمجتمع المحلي والإسهام في تنميته اقتصاديا واجتماعيا عبر مبادرات وأنشطة تطوعية. إنه مفهوم جديد يرى فيه السكان مدينتهم كالبيت الكبير تترابط فيه مصالحهم وطموحاتهم وتطلعاتهم وبالتالي حريصون على المحافظة عليه يندفعون متحمسين لتطويره وتنميته، وهذا لا يتأتى إلا من خلال عمل السكان بوعي جماعي وانخراطهم بشكل إيجابي في عملية صنع القرار المحلي، ليعكس أولوياتهم ويستوفي متطلباتهم ويتحملون نتائجه ويتملكون زمام أمورهم. وعند الحديث عن صناعة القرار المحلي يجب ألا يختزل في الأنشطة البلدية، بل يلزم أن يشمل جميع قطاعات وقضايا المدينة. إذ إن المدينة كل متكامل لا نستطيع الوصول إلى حلول جذرية وشاملة دون استراتيجيات محلية تتناول القضايا من جميع جوانبها.
إن عدم وجود حلول شاملة تتناسب مع قضايا المدن أدى إلى وضع إداري غريب يصل في بعض الأحيان إلى التناقض بل التصادم والتنازع بين الوحدات الإدارية المتعددة التي تشترك أو ربما تتنافس في إدارة المدينة. المسألة هنا ليست متعلقة بتقديم الخدمات العامة وحسب، ولكن أكثر من ذلك بكثير، المسألة تتعلق بقدرة سكان المدن عبر ممثليهم المنتخبين من صياغة استراتيجية ووضع أولويات للتنمية المحلية وتوظيف المشاريع والخدمات لتحقيقها. فالطرق والمدارس والجسور والمطارات وإلى آخره من المشاريع هي لتحقيق التنمية الاقتصادية وبناء اقتصاد المدينة وليس فقط للاستهلاك المعيشي اليومي. إن قدرة إدارة المدينة على معالجة مشاكلها مرهون بمبادرات وتخطيط مسبق وبوعي تام لما يجب عمله وخلق أوضاع مستقبلية إيجابية تمكنها من مواجهة التحديات والمشاكل قبل وقوعها. لكن ذلك كله يتطلب وجود هيئات محلية مسؤولة عن إدارة المدينة إدارة كاملة شاملة مستقلة ماليا وإداريا ترعى مصالح السكان وتستجيب لمتطلباتهم الحقيقية وتتحمل المسؤولية كاملة عن قراراتها تجاه السكان. إن تفعيل المجالس البلدية هو بلا شك يمثل خطوة على الطريق الصحيح ومبادرة تستحق الإشادة ولكن يجب عدم التوقف عندها كثيرا بل يلزم النظر إلى الصورة الأكبر والأشمل والأعم للإدارة المحلية والالتفات إلى ظاهرة التشرذم الإداري الذي تعانيه إدارة المدن والحاجة إلى الحديث عن أساليب ونظم جديدة لإدارة المجتمعات المحلية تكون منسجمة مع معطيات المرحلة الحالية وتستوعب التغيرات الداخلية والخارجية، وإلا سيكون الإطار حتما أكبر من الصورة! وللحديث صلة نتابعه في الأسبوع المقبل بإذن الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي