الكتب تمزق لصناعة النعال
* الحلقة الثانية
مأساة تدمير الكتاب بلغت أوجها في إتلاف الكتب النادرة في المكتبات العامة الكبرى, التي أسست من قبل الدولة العربية وتوسعت بشكل خاص في عهد الخلفاء والحكام المتنورين, خلال العصور العباسية والفاطمية والأندلسية, ثم اختفت من الوجود واختفت معها ثروة لا تعوض من التراث والفكر العربي والإسلامي.
وتُعد مكتبة بيت الحكمة ببغداد نموذجا فريدا لهذا النوع من الخسارة, أسست المكتبة في عهد هارون الرشيد, وجرى توسيعها في عهد المأمون, وكانت تضم مجموعات ضخمة من الكتب التراثية, والسير والتراجم, والكتب العلمية والفلكية, وكتب الفلسفة والطب وغيرها, وكانت المكتبة تضم كذلك مرصدا فلكيا وقاعات للأبحاث والمطالعة, قبل أن ينتهي أمرها على يد المغول الذين ألقوا بجميع كتبها في مياه دجلة, إضافة إلى تدمير ما يزيد على 36 مكتبة أخرى في بغداد وحدها!!
الكتب تمزق لصنع النعال: تكرر المشهد نفسه في القاهرة, بالإجهاز على مكتبة دار العلم الشهيرة, وكانت المكتبة قد أنشئت في عهد الخليفة العزيز بأمر الله الفاطمي, وجرى توسيعها في عهد الحاكم بأمر الله, لتغدو مكتبة عامة كبرى, وقبلة أنظار المفكرين ومحبي العلم, حتى أن البابا سلفستروس الثاني (999 م) قال عنها متحسرا: " لا يوجد في روما من يملك من المعرفة ما يؤهله ليعمل بوابا في هذه المكتبة", وتضم المكتبة 18 قاعة فيها ما يزيد على 2.2 مليون كتاب, ارتفع عددها ليصل في أوج اتساعها إلى ثلاثة آلاف كتاب.
وفي عام 1068 م, شهدت مصر مجاعة كبرى, ولم يستطع الخليفة دفع رواتب الجند, فحدثت أعمال شغب وهوجمت المكتبة ودمر ونهب قسم كبير من محتوياتها, وكانت الجلود الفاخرة المستخدمة في تجليد الكتاب تمزق لتستعمل في صناعة النعال!! وجاءت النهاية الكاملة للمكتبة في العهد الأيوبي, على يد بهاء الدين قراقوش, الذي أهدى قسما كبيرا من محتوياتها للحاشية والخاصة من المعارف, وباع الجزء المتبقي من خلال مزادات علنية استمرت عشرة أعوام كاملة, اختفت على أثرها من الوجود واحدة من أعظم المكتبات العامة في العصر الوسيط.
وفي النتيجة، فإن عملية إبادة المكتبات لم تتوقف إلا لتبدأ من جديد, خاصة مع الغزو الاستعماري الذي تعاقب لفترات ليست بالقليلة على المنطقة العربية, فتتابعت عمليات الحرق والتدمير والنهب في عهد المماليك والعثمانيين والفرنسيين, ولم تنج مكتبات القرن العشرين من هذا المصير وما حدث في الكويت إثر الاحتلال العراقي, وفي بغداد أثناء دخول قوات التحالف عام 2003, وفي الحرب الإسرائيلية على الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية، الذي أسفر عن تدمير 70 في المائة من دور النشر والمطابع الموجودة في الضاحية, ليس إلا خير مثال لأسوأ كارثة.