رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قصة شركات الأسمنت مع وزارة التجارة

[email protected]

ما زلت أكرر ما ذكرته في مقالات سابقة أن النهج الاقتصادي الحر الذي تتبناه المملكة لا يعني ترك الحبل على الغارب لشركات القطاع الخاص للتلاعب بالأسعار أو التحكم في العرض لخدمة أهدافها على حساب المستهلكين أو العملاء, وهذا يعني أن السلع الرئيسة لا بد أن تخضع لرقابة شديدة في الإنتاج والبيع، فالذي حصل قبل أيام للدقيق وما يحصل هذه الأيام في الحديد والأسمنت أمر يدعو للقلق وسيتكرر كثيرا في المستقبل ما لم تتغير طريقة التفكير التي تنتهجها الجهات الحكومية المعنية في هذا الصدد، ولاسيما أن مجلس الشورى أخذ على عاتقه أخيرا البحث عن أسباب الغلاء فوجد أن ربع دخل السعوديين يذهب لشركات الاتصالات وحدها.
إن أحد أهم أسباب التضخم الذي تعانيه المملكة اليوم هو ارتفاع أسعار مواد البناء الذي انعكس على أقيام الإيجارات والوحدات السكنية المعدة للبيع، كما أنه سيسهم في ارتفاع فاتورة المشاريع الحكومية بمبالغ ضخمة ما لم يتم تدارك الوضع.
اليوم سأكتب عن غلاء مادة الأسمنت الضرورية لمشاريع البناء الذي انعكس على قيمة منتجات كثيرة تستخدم تلك المادة المهمة، فالمعروف أن مصانع الأسمنت تبيع الكيس الواحد بمبلغ 13 ريالاً للموزعين, وهو سعر محدد بمعرفة وزارة التجارة ورعايتها, بينما يقوم الموزعون ببيعه بربح بسيط، لكن تلك الشركات خفضت ربما كميات البيع للموزعين على حساب التصدير للخارج طمعا في مكاسب أكبر, الأمر الذي تسبب في أزمة عرض جعلت الأسعار ترتفع بنحو 25 في المائة خلال أيام.
شركات الأسمنت تعد اليوم من أكثر الشركات العاملة في السوق المحلية من حيث الأرباح كإجمالي ومن حيث الأرباح قياسا بحجم المبيعات لسبب بسيط هو أن وزارة التجارة حددت سعر بيع الكيس الواحد بـ 13 ريالا طيلة السنوات السابقة التي كان حجم العرض فيها يزيد على حجم الطلب، ورغم هذا السعر المرتفع إلا أن تلك الشركات لجأت مع تنامي الطلب في السوق الخليجية إلى تصدير كميات كبيرة من إنتاجها وجعلت السوق المحلية تعاني ندرة المعروض وغلاء ثمنه، ونست أو تناست أنها منحت تصاريح مجانية لاستغلال مساحات واسعة من الجبال أو المناجم وقدمت لها تسهيلات واسعة منها تحديد السعر المرتفع للكيس الواحد.
لو رجعنا إلى القوائم المالية لتلك الشركات لوجدنا أن صافي الربح قياسا بإجمالي المبيعات وصل إلى نسب مرتفعة جدا, وهي على النحو التالي: أسمنت العربية 54 في المائة، أسمنت اليمامة 62 في المائة، أسمنت السعودية 50 في المائة، أسمنت القصيم 64 في المائة، أسمنت الجنوبية 61 في المائة، وأسمنت ينبع 56 في المائة، وهذا يعني أن الشركة التي تبيع بمليون ريال تحقق أرباحا صافية بعد حسم جميع المصروفات بما فيها الزكاة الشرعية والاستهلاك تزيد على 500 ألف ريال وتصل إلى 640 ألف ريال في بعض الشركات.
شخصيا لا ألوم المسؤولين في شركات الأسمنت على تصدير جزء من إنتاجهم لأنهم يحاولون قدر استطاعتهم رفع حجم الأرباح لكني ألوم الجهات المسؤولة ممثلة في وزارة التجارة التي ساعدت تلك الشركات سنوات طويلة على تحديد سعر مرتفع للكيس الواحد عندما كان العرض أكثر من الطلب وتركت تلك الشركات تصدر كميات كبيرة من إنتاجها بعد ارتفاع الأسعار في الأسواق المجاورة دون أن تلتفت إلى حاجة السوق المحلية ومتطلباتها وتأثير نقص المعروض في موازنة الدولة وفي تكاليف البناء التي يدفعها المواطن في نهاية المطاف.
أمر آخر له علاقة بهذا الموضوع المهم هو الموزعون الذين يقال إنهم من يتلاعبون في الأسعار, فلا بد من معرفتهم ومعرفة الكميات التي يشترونها، ولمن يبيعون كمياتهم؟ وهل يبيعونها بشكل مباشر؟ أم يبيعونها موزعين آخرين؟ وهل لهم علاقة بأي تنفيذي في تلك الشركات؟ وهل هناك نظام موحد للموزعين يضمن إيصال مادة الأسمنت للمستهلكين بشكل مباشر؟ أم أن الأمر يتعلق بالاجتهاد والمحسوبيات؟ تلك الأسئلة وغيرها يفترض أن تكون محل عناية واهتمام المسؤولين في وزارة التجارة التي أنيط بها حماية المستهلك. أخيرا فإنني أتساءل: هل ستمنع الوزارة تصدير الأسمنت وتخفض سعر الكيس الواحد ريالا أو ريالين؟ أم أنها ستتفرج على الأسمنت السعودي في منافذ التصدير؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي