رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أزمة المياه.. في صـيف ملتهب يا معالي الوزير!

[email protected]

ســتكون أزمة المياه في أشــد ضراوتها وحدتها، وسنستقبل هذا العام صيفاً ساخناً جداً جداً، وليســمح لي المهندس عبد الله الحصين وزير المياه والكهرباء أن أصف الحملة التي أطلقها تحت شعار (القرار بيدك لترشيد استهلاك المياه) بالحملة غير المؤثرة، والدليل إن الحملة أطلقت في عام 2004 وكانت أزمة المياه أقل بكثير من الحدة التي عليها الآن، بمعنى أنه بعد تنفيذ أهم مراحل الحملة بلغت أزمة المياه الأوج، ولا ندري بعد أربع سنوات من الآن في أي مســتوى سيكون الوضع المائي للمملكة، هل سيقترب من الشح الكامل أم سيقترب من الحل ولو النسبي؟
لقد أشارت مجموعة من الدراسات التي نشرت أخيرا عن أزمة المياه في المملكة إلى أن الطلب اليومي على المياه سيرتفع إلى 11 مليون متر مكعب، وإن الاستثمارات المطلوبة لتوفير المياه ستصل إلى 300 مليار ريال، ولكن في تصريح أخير للأستاذ لؤي المسلم وكيل وزارة المياه والكهرباء للتخطيط والتطوير قال إن المملكة تعتزم استثمار نحو 60 مليار دولار خلال السنوات الـ 20 المقبلة للوفاء باحتياجاتها من المياه ذلك لأن الطلب ينمو بمعدل 6 في المائة تقريبا سنويا، وأضاف إن القطاعين العام والخاص سيشاركان في تلبية الاحتياجات الاستثمارية، وقال إن نحو 40 مليار دولار تمثل الإنفاق الرأسمالي والباقي يتمثل في نفقات التشغيل والصيانة، وتابع الأستاذ المسلم تصريحه المهم بقوله: إن الطلب على المياه في المملكة يبلغ نحو 5.7 ملايين متر مكعب يوميا، ويقدر أن يصل إلى عشرة مليون متر مكعب يوميا في السنوات الـ 20 المقبلة .
ومن ناحية ثانية، فإن بعض المراقبين يربطون ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي تجتاح أسواق العالم بأزمة المياه، ويقولون إن شح المياه يهدد الأمن الغذائي في العالم، وإن كمية المياه المتوافرة للزراعة غير كافية لزيادة الإنتاج الزراعي لمواجهة الزيادة في الطلب على الغذاء الذي أصبح جزءا كبيرا منه يســتخدم للبحث عن مصادر جديدة للطاقة، بل يربط البعض مستقبل منطقة الشرق الأوسط بتوفير المياه لكل الدول، وإلا فإن شح المياه سيكون سببا كافيا لاندلاع الحروب في منطقة تعاني كل المشكلات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويأتي على رأس المشكلات مشـكلة شــح المياه.
دعونا نجوب آفاق إحدى التجارب السعودية الرائدة لحل أزمة المياه في العالم، فحينما تخرج الأمير محمد الفيصل في إحدى الجامعات الأمريكية في الســتينيات الميلادية كان يحمل لقب أول أمير جامعي في الأســرة المالكة، وبالفعل كان الأمير محمد مميزا على جميع الطلاب السعوديين الذين تخرجوا في ذلك الوقت في الجامعات، لأنه تخرج في الجامعة وكان يحمل معه مشـروعين رئيســين أولهما استخدام الجبال الجليدية كمورد مائي صالح للاستخدام الآدمي، وثانيهما مشروع البنوك الإسلامية وضرورة إعطائها تصاريح ممارسة الأعمال مثلها مثل البنوك المصرفية التقليدية.
وفى التجارب العملية والتطبيقية أثبت الأمير محمد الفيصل صحة نظريته في المصرفية الإسلامية وهى المصرفية التي حاربها ــ مع الأسف ــ المصرفيون السعوديون قبل المصرفيين العلمانيين.
وفى السـبعينيات الميلادية ذهب الأمير محمد الفيصل أبعد من الدعوة في الإعلام إلى استخدام الجبال الجليدية كمورد من موارد المياه العذبة، ودعا إلى تنظيم أول مؤتمر عالمي لاستخدام الجبال الجليدية في توفير المياه العذبة للإنسان، ووجه رقاع الدعوة إلى كل العلماء المعنيين بهذا المشروع وعقد مؤتمرا عالميا في جامعة أيوا للعلوم والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، وكنت، من حســن حظي، أحد المدعوين لحضور المؤتمر، وفى المؤتمر تبارى أعلم علماء الموارد المائية في العالم لإثبات إمكانات استخدام الجبال الجليدية كمورد مائي صالح للاستخدامات الآدمية، وكانت موضوعات المؤتمر هي: استخدام الجبال الجليدية لتوفير المياه العذبة، واستخدام الجبال الجليدية في توليد الطاقة، واستخدام الجبال الجليدية في تحسـين المناخ.
والجميل في الموضوع أن الأمير محمد الفيصل استطاع أن يحضر قطعة من الجبال الجليدية إلى المؤتمر ليثبت أن رهانه على الجبال الجليدية في حل مشكلة شــح المياه قابل للتنفيذ والتحقيق. ولقد وجد المؤتمر من الإعلام الأمريكي في ذلك الوقت اهتماما هائلا ونقلت وقائعه محطات التلفزيون الرئيسة والمحلية، كما أن الصحافة الأمريكية احتفت بالمؤتمر كثيرا باعتباره اكتشافا عالميا على أرض أمريكية هدفه وضع الجبال الجليدية ــ لأول مرة ــ على خريطة الاستخدام الآدمي.
ورغم أن العلماء كانوا ومازالوا يرحبون بفكرة استخدام الجبال الجليدية سواء من القطب الشمالي أو القطب الجنوبي كمورد مائي.. إلاَ أن العالم لا يزال يتحفظ على استخدام الجبال الجليدية كمورد مائي صالح للاستخدام الآدمي، لأســباب بيئية ولأسباب أخرى ما زالت غامضة!
وإذا أمكن في القرن الـ 20 تأجيل البحث عن حلول لمشكلة المياه، فإنه لا يمكن في القرن 21 تأجيل البحث عن حل لمشكلة شح المياه لأن إهمال المشكلة قد يؤدى إلى إشعال الخلافات والحروب في مناطق كثيرة من العالم، ولذلك فإن بريطانيا التي تعانى شح المياه تدرس حاليا ملف الأمير محمد الفيصل لتباشـر سحب جبال الجليد إلى نهر التايمز لتذويبها واستخدام مياهها العذبة.
إذ في ضوء هذه الأرقام المخيفة يجدر بنا أن نتساءل: إلى متى ستستمر هذه الأزمة في حياتنا، وهل نتوقع نهاية قريبة لها، أم إنها ستستمر معنا أجيالا بعد أجيال؟
أسئلة كبيرة وخطيرة تستوجب أن يرد عليها معالي وزير المياه والكهرباء المهندس عبد الله الحصين، لأن شــكل الأزمة لا يوحي أنها أزمة عابرة، وإنما هي أزمة حقيقية ومستمرة والمجتمع السعودي بكل فئاته بات ينظر إلى أزمة المياه بخوف وقلق كبيرين، وما سمعناه ونسمعه من محافظ مؤسسة التحلية لا يبشر عن حل جذري لمشكلة شح المياه، بل نعتقد إن الحلول المطروحة هي مجرد مسكنات للفترة التي نعيشها، ثم لا تلبث الأزمة وتعود مع الزيادة في معدلات استهلاك الماء.
إن مشكلة شــح المياه لا تتحمل مزيدا من التسويف أو التهاون، فالأزمة كبرت وبلغت مرحلة خطيرة في حياتنا، ولذلك يجب أن تدرس الوزارة وضع خطة استراتيجية طويلة الأمد لتوفير المياه وإلاَ فإننا سنتعرض لأزمة لا ســابق لنا بها في حياتنا، كما أنني أقترح على معالي وزير المياه والكهرباء أن يجرى اتصالا مع الأمير محمد الفيصل ويطلب من سموه كل الدراسات العلمية التي تم التوصل إليها في مؤتمر جامعة أيوا الأمريكية، ثم يضع معاليه هذه الدراسات أمام الخبراء في الوزارة لقراءتها ودراسـتها والتوصية باتخاذ الخطوات العملية لحل أزمة ظلت تؤرقنا لأكثر من 100 عام دون أن نرى حلا لها رغم وعود المديرين ثم المستوزرين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي