الأمن الغذائي محلياً
يشهد العالم بأسره ارتفاعا مستمرا في أسعار السلع الغذائية الأساسية، وعلى وجه الخصوص أسعار الأرز والقمح، ولعل مَن تابع اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يلاحظ أن هناك قلقا عالميا تجاه تصاعد أسعار المواد الغذائية، فمن المعروف أن البنك الدولي وصندوق النقد عادة لا يناقشون أسعار المواد الغذائية، إلا أن الاجتماع الأخير ناقش هذه القضية لأن ارتفاع الأسعار قد وصل إلى مستويات قياسية، ما يرى معه الخبراء الدوليون أن هذه الارتفاعات قد تؤدي إلى تهديد الاستقرار السياسي في بعض الدول. وفي ضوء هذه المشكلة العالمية، فقد قدر البنك الدولي في واشنطن بأن 33 دولة تواجه تململا اجتماعيا بسبب القفزة في أسعار الغذاء. وفي هذا الخصوص أفادت المنظمة الدولية للأغذية والزراعة "الفاو" أن أسعار الأغذية قد زادت بنسبة 45 في المائة خلال التسعة أشهر الماضية، وأن هناك نقصاً حاداً في كميات الأرز والقمح والذرة. وتعزو منظمة الأغذية والزراعة ارتفاع أسعار الغذاء إلى مجموعة من العوامل، من بينها زيادة الطلب العالمي على هذه السلع، انخفاض الإنتاج بسبب التغير المناخي، ارتفاع الاستهلاك في الدول ذات الاقتصاديات الناشئة، تحويل المحاصيل الغذائية إلى مصادر للوقود الحيوي، انحسار الرقعة الزراعية والجفاف، والتكلفة الأعلى للطاقة والنقل.
ومع قناعتي الشخصية بأن الحديث عن هذه المشكلة الاقتصادية لا يندرج ضمن اهتماماتي العلمية، إلا أنني وعلى المستوى الشخصي أجد أن هذه القضية من أهم القضايا الاستراتيجية التي ينبغي التركيز عليها على المستوى المحلي للتخفيف من وطأة آثارها، وحيث إن ارتفاع أسعار الغذاء أصبح حقيقة وواقعاً ملموساً، فإنه لابد من العمل على التخفيف من آثاره من جانب، والعمل على خلق البدائل المحلية وتشجيع الاستثمار الزراعي في السلع الأساسية من جانب آخر. ولعل المتابع للاقتصاد المحلي يلاحظ أن هناك تركيزاً واضحاً على الجانب الأول من خلال البرامج والحزم الاقتصادية التي أقرتها الحكومة، إلا أن هناك إهمالا وتغاضيا عن الجانب الثاني.
لذا فإنه مما ينبغي أن يُستدرك ويعاد النظر فيه ما أقرته الحكومة من سياسات وإجراءات نحو زراعة القمح. فبعد اكتفاء ذاتي من القمح لمدة 25 عاماً، سيتم من السنة المقبلة الاعتماد على الاستيراد جزئياً نتيجة خفض شراء المحصول من المزارعين بنسبة 12 في المائة سنوياً حتى عام 2016م، حيث سيتم الاعتماد كلياً على القمح المستورد. والواقع أن هذه السياسة ستجعل المملكة من أكبر 15 دولة مستوردة للقمح في العالم. وبحسب التقارير المحلية، فإن السبب الرئيس في تلك الإجراءات يرجع إلى شح الموارد المائية في البلاد. وعلى الرغم من وجاهة السبب إلا أن ارتفاع أسعار القمح والأرز يتطلبان التفكير في دعم المشاريع الزراعية وعدم إهمال المزارعين دون إرشاد. فمن المتوقع أن يتجه المزارعون إلى زراعة غير القمح وبالتالي استهلاك كميات أكبر من المياه. كما أن ما يخشاه الخبراء الزراعيون تعطيل الاستثمارات الكبيرة في القطاع الزراعي، ما يؤدي إلى خسائر وانعكاسات سلبية اقتصاديا واجتماعيا، خاصة في ظل اعتماد مناطق بأكملها على الزراعة.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن الاعتماد الغذائي بالكلية على ما يتم استيراده يعد أحد الأخطاء الفادحة التي تقع فيها الدول، بل إن الاعتماد على الاستيراد يعني دخول البلاد في ظل التبعية والسيطرة للدول المنتجة، ومن ثم يصدق فينا قول الفيلسوف "لا خير في أمة لا تأكل مما تزرع، ولا تلبس مما تنسج".