فلسفة التغيير و"الربيع" الإداري في أمانة منطقة الرياض

[email protected]

من يزور العاصمة الرياض من فترة لأخرى يجد أنها تقدم خدمات جديدة وأنشطة إبداعية لم تكن معهودة من قبل. الرياض يمكن وصفها بأنها المدينة المتجددة، فعلى الرغم من عظم حجمها الجغرافي والسكاني، إلا أنها لم تترهل ولم تفقد حيويتها ونضارتها وجاذبيتها كما هو حال كثير من المدن حول العالم وخاصة في الدول النامية. والسبب هو حيوية وفاعلية أمانة منطقة الرياض وتخليها كجهاز حكومي عن ثقافة إدارية سائدة وطقوس نظامية بيروقراطية مستحكمة تدعو للركود والروتين والجهوية. كثير من الإدارات الحكومية تلتزم السكون والجمود وعمل الحد الأدنى من المطلوب متخذة من مقولة النحويين "سكن تسلم!" منهاجاً ونبراسا. والحقيقة أن أمانة منطقة الرياض بقيادة أمينها المبدع الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف خرجت عن المألوف وراحت تبحث عن توسيع دائرة ما تستطيع عمله لسكان الرياض. وكأن الأمانة رفضت أن تحجر واسعا والسير في نهج من يقولون "ليس بالإمكان أفضل مما كان" أو تكبيل نفسها بالإجراءات الروتينية وجعل النظام معسرا وليس ميسرا. إن التفكير الإداري العقيم السلبي هو ما يفت في عضد التنظيمات الإدارية ويجعلها تراوح مكانها إن لم تتراجع! هناك الكثيرون من الإداريين الذين يقبعون خلف مكاتبهم الفاخرة يستلذون بسلطة المكتب ويأنسون للوجاهة ويستمتعون بالأمان الوظيفي ويخلدون للسكون والرتابة ويكون همهم المنصب والحفاظ عليه وليس البحث عن التطوير وأوضاع أفضل لأن ذلك يتطلب تفكيرا إيجابيا ونظرة مستقبلية ومعرفة ودراية لما ينبغي عمله وأهم من ذلك الشجاعة في الولوج إلى أوضاع غامضة غير مألوفة والقدرة على تبني أفكار جديدة وجريئة وتحمل نتائجها. ولا شك أن البناء كما يقول ابن خلدون أصعب من الهدم لان البناء هو إيجاد الشيء من العدم بينما الهدم هو العودة إلى الأصل وهو العدم، فالله عز وجل خلق الموت (العدم) ثم الحياة، يقول تعالى" تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا". كما إن من طبيعة الأمور تحقيق التوازن والوصول إلى درجة من الثبوت ومستوى معين من النمطية، وهو ينشأ نتيجة توازن القوى في البيئة التي تشكل الوضع والحالة الاجتماعية، وبالتالي فإن عملية التغيير عملية مزعجة ومكلفة سياسيا وإداريا واجتماعيا. إذ ينطوي عليها تغيير في توزيع القيم الاجتماعية والأدوار ومراكز القوى. إن إحداث التغيير الاجتماعي أمر ليس بالسهل ولكنه ممكن من خلال استراتيجية للتغيير تعتمد على إعادة التثقيف والتنوير، وهذا في ظني ما تنتهجه أمانة منطقة الرياض في مشاريعها التنموية. لقد نجحت الأمانة في إحداث التغيير المطلوب لأنها انتهجت أسلوبا يوازن بين الإبداع والتجديد والتطوير من ناحية و النظرة الواقعية والمنهج التطبيقي العملي من ناحية أخرى. وهذا التوازن بين الطرفين قل ما نجده عند بعض القياديين، فهناك من يسعى إلى الكمال والمثالية في العمل ويكون نتيجة ذلك التوقف التام ورفض الأداء عند مستويات مقبولة! ولا يكون في أيديهم سوى انتقاد الأوضاع وتبرير عجزهم وتحميل المشكلات للآخرين، وهذه مصيبة عظيمة وداء خطير حين يرى المسؤول ألا شأن له في المشكلة وأنها خارج ذاته وبالتالي يعتقد ألا حول له ولا قوة! وهناك فريق آخر من الإداريين الكادحين الذين يرون في العمل الروتيني متعة وإنجازا! يغرقون في المعاملات الورقية التي لا تقدم ولا تؤخر، تحجب عنهم رؤية المستقبل والتطلع للأفق وإحداث التغيير المطلوب. بين هؤلاء وهؤلاء تُفتقد النظرة المتوازنة وتكون المشكلة الإدارية بل العائق الأول للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
لقد سعد سكان وزوار العاصمة الرياض بمهرجان الربيع الذي احتوى على برامج وأنشطة ليس كونه يدخل السرور والبهجة والرضا للنفوس أو إنه يقدم أنشطة لم تعهد من قبل وحسب، ولكن لأن الأمانة تبعث برسالة واضحة وصريحة في أنها تحترم وتقدر السكان وتبذل لهم ما في وسعها وأكثر لإرضائهم. هذا بظني أفضل ما تقدمة أي إدارة مدينة لسكانها وهو العمل من أجلهم وتحقيق مصالحهم وتبني دور قيادي وريادي في تشكيل المجتمع المحلي وغرس قيم ورؤى جديدة. من يعتقد أن مهرجان الزهور هو منظر جمالي ونشاط حضاري وحسب يكون مخطئا، فهو تظاهرة اجتماعية تعنى بتثقيف العموم بالقضايا العامة وترتقي بحسهم الجمالي وتعزز لديهم قيمة المشاركة في الفعاليات الاجتماعية. الأمانة أقدمت على خطوة مقدرة وهي تبني أنشطة المسرح وسينما الأطفال وهي أدوات ووسائل ليست فقط ترفيهية ولكنها تثقيفية يمكن من خلالها بث القيم والأخلاقيات وبحث القضايا الاجتماعية ومنح السكان فرصة مراجعة بعض الظواهر السلبية بنظرة جماعية.
نشاطات وفعاليات الأمانة ومبادرتها يظنها البعض أنها ملزمة بها نظاما وهذا غير صحيح البتة. إنه فقط يعكس حس المسؤولية والقيادة المستنيرة لدى المسؤول الأول في الأمانة كيف لا، وهو أكاديمي من الطراز الأول متخصص في إدارة المدن صقلته خبرة السنين والتجارب الناجحة، وبالتالي يعي تماما ما تتطلبه إدارة المدينة وما على القيادي فعله، وما المبادرات الإبداعية المتتالية إلا خير دليل على ذلك. لقد أثبتت الأمانة في عدة مناسبات أنها تسعى سعيا حثيثا وبشكل مستمر لتقديم الأفضل وإيجاد بيئة صحية واقتصادية وثقافية. فهذه مسارات المشي والمتنزهات تنتشر في أرجاء المدينة ترتادها جموع كبيرة من الناس صغارا وكبارا نساء ورجالا. هذا الاهتمام بالرياضة والمحافظة على الصحة ظاهرة لم تعهد من قبل، أجزم لو بقينا أمد الدهر نضع الملصقات الإعلانية في كل مكان ونقيم المنتديات والمؤتمرات ونلقي المحاضرات والخطب الرنانة لم يكن ليتحقق ما تم تحقيقه دون تهيئة المكان بمعايير ومواصفات مهنية عالية تجتذب إليها الناس وترغبهم في رياضة المشي. لقد نجحت الأمانة وتوج نجاحها بالحصول على جائزة المدينة صديقة المشاة على مستوى الوطن العربي، وقبل ذلك حصدت جائزة المدينة الذكية نظير جهودها في تطبيقات الاتصال الإلكتروني. هذه الجوائز لها دلالات واضحة في أن الأمانة تسعى للأفضل والتميز في الأداء والبحث عن الجديد. لم تكتف الأمانة بهذا الحد بل ذهبت تتصدي للعوارض والأزمات حتى وإن لم تكن من صلب اختصاصها. على سبيل المثال عندما لاحت في الأفق أزمة إنفلونزا الطيور لم تقف الأمانة مكتوفة الأيدي ولم تتخل عن مسؤولياتها تجاه الموطنين فقط لأنها ليست مسؤولة نظاما عن ذلك، بل شمرت عن ساعديها لتكفي الناس بعد عناية الله مرضا خطيرا وشرا مستطيرا. هذه أمثلة مختارة لأنشطة الأمانة، وإلا فالقائمة تطول ولا يتسع المجال لذكرها، فضلا عن أنها ظاهرة للعيان مشاهدة ومحسوسة.
هذه المبادرات والأنشطة المميزة جعلت البعض يعتقد أن الأمانة ملزمة بفعل كل شيء داخل المدينة ونسوا أو تناسوا أن الأمانة مسؤولة عن جزء يسير من إدارة المدينة. فالأمانة ليست هيئة محلية مسؤولة عن إدارة المدينة أي مسؤولة عن جميع قطاعاتها الصحية والتعليمية والمرورية والتنمية المحلية.. وغيرها. وكنت قد قرأت بهذا الصدد تعليقا لأحدهم في أحد الصحف المحلية احتفظ باسم الكاتب والصحيفة يحمل فيها الأمانة ما لا يدخل ضمن اختصاصاتها النظامية وهذا ينم عن انخفاض الإطلاع والثقافة الإدارية لدى البعض وسيطرة التفكير السلبي والانتقاد من أجل الظهور والإعلان عن النفس والاستمتاع بجلد الذات، وأخشى أن هذه الأصوات النشاز تبث كلاما غير صحيح فيصدقهم العامة ويترسخ في أذهان البعض أن الأمانة لا تقوم بواجبها وهذا ظلم بل هو إجحاف بحق من يسعون مخلصين إلى تحقيق أعمال ناجحة ومتفوقة. وتجربة المجالس البلدية ليست ببعيدة فهاهم أعضاء المجالس البلدية في عدد من المحافظات يواجهون معضلة كبيرة بين مطالب السكان وتطلعاتهم وضيق الصلاحيات وضآلة الدور. هذا الوضع أدى إلى نوع من الإحباط والضغوط التي لم يعد بعض أعضاء المجالس البلدية احتمالها ليصرحوا باعتزامهم تقديم استقالاتهم من المجالس. هذا مثال واضح عندما لا يكون هناك توازن بين المسؤوليات والصلاحيات. ومع هذا تضرب لنا أمانة منطقة الرياض مثالا جديرا بالاهتمام والاحتذاء به، بل وتدريسه لطلاب الإدارة العامة وإدارة المدن والتخطيط الحضري في فن صناعة القرار والمبادرة الإيجابية وعدم الانتظار إلى حين تقع الفأس بالرأس ومن ثم استنزاف الوقت والجهد والمال في إدارة الأزمات والدوران في المكان نفسه.
إن ما تقوم به أمانة منطقة الرياض ليس مهرجانا للربيع بل مهرجان للتطوير الإداري ونموذجا في القيادة الإدارية التي تتميز بفكر مستنير ودافعية للتطوير ورؤية مستقبلية ووجهة صحيحة وشجاعة وإقدام للتجديد وعمل دؤوب. إن كل زهرة في ربيع الرياض وكل مسرحية وكل فيلم سينمائي هو نتاج سقيا أفكار ومبادرات وقرارات إدارية جريئة متزنة وفلسفة إدارية تعتمد على العمل الجماعي والرؤية المشتركة أساسها قيادي يتمتع بدماثة خلق وتواضع جم وصفاء نية وحب للناس والعمل من أجلهم. هذه الميزات تجعله يرى الأمور على حقيقتها بصفاء ذهني ونفسية صحيحة وثقة وكفاءة وحرص على الالتزام والانضباط في العمل أداء وحضوراً ومعاملةً. وهذا ليس بمستغرب في منطقة يقود دفتها أحد الأفذاذ، رائد الإدارة المحلية، سلمان بن عبد العزيز الحاكم الإداري المتمرس والسياسي المحنك والمثقف بذهنية منفتحة وعقلية مستنيرة صاحب المبادرة التنموية الأكبر والأشمل في تاريخ التنمية المحلية السعودية "هيئة تطوير مدينة الرياض". هكذا إذا تزهر الرياض وتتطور بسبب الربيع الإداري.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي