لا صوت يعلو فوق صوت الغلاء
اتسعت المخاوف لدى الناس من مشكلة الغلاء، بعد أن أصبحت مصدرا حقيقيا لقلق الجميع. وما عاد صوت في المجالس يعلو فوق صوت الضجر من الغلاء. وبهذا ينضم الغلاء إلى جملة التحديات الاقتصادية المتراكمة كالبطالة، والحاجة للارتقاء بالخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والإسكان والخدمات البلدية كما ونوعا. إن حدة مشكلة الغلاء تتطلب مبادرات متواصلة وجهودا مكثفة مستمرة للسيطرة على صعود الأسعار المتواصل. فقد واصل معدل التضخم السنوي في اقتصادنا صعوده، ليرتفع مع نهاية شباط ( فبراير) الماضي إلى 8.67 في المائة، مسجلا مستويات قياسية جديدة لم يبلغها على مدى ربع القرن الماضي.
ولا شك أن استمرار موجة الغلاء مع الثبات النسبي لمعظم الدخول، يعني اتساع الفجوة بين تكاليف المعيشة ومستويات الدخول، ومن ثم استمرار تدهور مستويات معيشة جمهور الناس بشكل كبير ومؤثر. وقد أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن الغلاء، الذي بدأ في عدد محدود من السلع والخدمات في بداية عام 2006م، طال اليوم عددا واسعا منها، أدى لارتفاع أسعارها بنسب كبيرة راوحت بين 20 في المائة ونحو 60 في المائة، وربما أكثر من ذلك في بعضها الآخر ( الحديد على سبيل المثال الذي ارتفع سعره بأكثر من 100 في المائة !). إن استمرار مسيرة الغلاء المدمرة لمستويات المعيشة، تسبب من ناحية أخرى، ارتباكا متواصلا لدى متخذي القرارات الاقتصادية عند دخولهم في التعاقدات المختلفة نظرا لاتساع دائرة عدم اليقين لديهم حول مستقبل التكاليف، الأمر الذي قد يبطئ من قدرة اقتصادنا على سرعة استجابة العرض الكلي للنمو في الطلب الإجمالي.
ومن ناحية أخرى علينا أن نتذكر أن ترددنا أو تأخرنا في التصدي الجاد والفاعل لبعض قضايانا ومشكلاتنا الاقتصادية الملحة، سيزيدها تعقيدا وصعوبة ويحملنا لاحقا مشقة أكبر وتكاليف أكثر لحلها. ونحن هنا لا نتحدث فقط عن التكاليف المباشرة بل أيضا التكاليف غير المباشرة أو غير المرئية، وهي وإن كانت كذلك إلا أنها تظل تكاليف حقيقية ومؤثرة جدا خاصة إذا طال نسيانها. وخير مثال نسوقه للتدليل على ذلك: مشكلة الإسكان في بلادنا! فهذه معضلة كبيرة، غدت مع الإهمال والنسيان قضية شائكة جدا وشديدة التعقيد، بسبب تراكم ذيولها عاما بعد آخر. واليوم نلاحظ أن الارتفاع غير المسبوق في الإيجارات هو أحد أهم العوامل - إن لم يكن العامل الأهم – المسببة لضغط التكاليف، فما الذي فعلناه للسيطرة على هذه المسألة؟
لا شك أن اقتصادنا يمر بفترة استثنائية عصيبة، ظاهرها السعة المالية على المستوى الكلي وباطنها الضيق الاقتصادي على المستوى الفردي. والأوضاع الاقتصادية الاستثنائية تتطلب ترتيبات وإجراءات وسياسات وقرارات استثنائية، بما فيها قرارات تغيير الرجال وتجديد الأفكار. إن أحد أهم متطلبات السياسة الاقتصادية الحصيفة هو أن تتصف إجراءاتها بالسرعة والوضوح والكفاءة والفاعلية والاستقلالية، إضافة إلى قابليتها للتوقع من قبل جميع الأطراف والوحدات المشاركة في اتخاذ القرارات الاقتصادية في المجتمع.
كتب الأستاذ الزميل فواز الفواز الأسبوع الماضي كلاما يستحق التدبر والتأمل، فقال:
"في ظل هذه الأمواج العاتية التي تعصف باقتصادنا يصعب الوصول إلى رؤية واضحة وسياسات مفندة وقرارات دقيقة، نظرا لضعف الفريق الاقتصادي وتهالك الجهاز البيروقراطي وتضارب المصالح الضيقة. هكذا دائما طبيعة القرار الاقتصادي الاجتماعي أنه في حالة التأخير غير المبرر تصبح عملية التعويض والتقويم صعبة ومحفوفة بالمخاطر، ولكن ليس من بديل عن التحرك العاجل".
والواقع أننا إذا لم نستغل أوقات السعة المالية، في سرعة تبني برامج التطوير والإصلاح الاقتصادي والإداري الجذري للقطاعات الحيوية ذات الأثر البالغ على حياة الناس، فإننا نكون ليس فقط كمن يزرع الحنظل في بستان اقتصاده، بل كمن يغذى تربته بأسباب هلاك زرعه وثماره!