الأراضي الفضاء وجباية الزكاة عليها

Al-qasm-y@hotmail٠com

نقطة الضعف فينا نحن العرب والمسلمين أننا نستورد الحلول الشرقية أو الغربية لمشكلاتنا الاقتصادية, وغيرها, وربما كان في شريعتنا الإسلامية الحل الكافي, والبلسم الشافي, لتلك المشكلات, حتى أصبح حالنا كما قال الشاعر الأول:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ .... والماء فوق ظهورها محمول!!
وعلى سبيل المثال لهذه الظاهرة: نجد فينا من يطالب بفرض الضريبة على الأراضي الفضاء؛ أسوة ببعض دول العالم, بحجة كبح جماح ارتفاع أسعار الأراضي, وتنظيم التخطيط العمراني داخل المدن!! علماً بأن في شرعنا ما يعالج هذه الظاهرة.
وهنا يثور تساؤل عن ماهية الأراضي التجارية المحتكرة, وعن مدى وجوب الزكاة في مثل هذه الأراضي؟ والجواب: أن هذا الوصف (العروض المحتكرة, سواء أراض أو غيرها...) تحدث عنه المالكية في سياق كلامهم عن التفريق بين التاجر المدير, والتاجر المحتكر, فهم يرون أن التاجر المدير, وهو الذي يبيع ويشتري بالسعر الحاضر, أنه تجب عليه الزكاة كل سنة فيما يتاجر فيه, كالأراضي التي يشتريها ثم يبيعها متى ما تحصل له ربح ولو كان قليلاً, أما التاجر المحتكر, وهو الذي يشتري السلعة, أو الأرض مثلاً, ثم يتربص بها مدة من الزمن, كسنتين, أو ثلاث, أو خمس, أو عشر سنين, كما يفعله غالب تجار العقار, فيرصد السوق, حتى ترتفع الأسعار, ثم يبيعها, فالمالكية يرون أنه لا يزكيها إلا بعد بيعها, فيزكيها لسنة واحدة فقط, ولو مكثت عنده سنين عدداً!! وهذا القول يعرفه التجار جيداً, وأذكر أني شاركت مرة في إحدى الندوات الخاصة بالزكاة, وكان بجانبي أحد التجار الفضلاء, فهمست في أذنه قائلاً: أظن أنه لا يخفى عليكم أيها التجار قول المالكية هذا؟ فقال لي مبتسماً: نعرفه جيداً!!
وهذا القول هو خلاف قول جمهور العلماء, من الحنفية, والشافعية, والحنابلة, والذين يرون أنه لا فرق بين التاجر المدير والتاجر المحتكر, فكلاهما تجب عليه الزكاة كل عام, بل إن الفقيه ابن رشد المالكي (ت595هـ) خالف رأي مذهبه, وقال معقباً عليه في بداية المجتهد: "وهذا أن يكون شرعاً زائداً أشبه منه بأن يكون شرعاً مستنبطاً من شرع ثابت.."أهـ. وقول الجمهور أصح من جهة الدليل الذي لم يفرق بين المدير والمحتكر- كما أشار إليه ابن رشد- وهو أقوى من جهة النظر؛ لأن كلا المالين مرصد للنماء, أعني مال المدير والمحتكر, وكون المال نامياً بالفعل أو قابلاً للنماء, هو من أبرز الحكم التي لأجلها شرعت الزكاة, وقد حكى بعض العلماء المعاصرين اتفاق الفقهاء بأن العلة في إيجاب الزكاة هي النماء بالفعل, أو بالقوة, وبالتالي فإن الأراضي التي يحتكرها تجار العقار سنين عدة, هي من الأموال القابلة للنماء, بل إنها تدر على التاجر أموالاً كبيرة, لا تدرها العديد من المشاريع الاستثمارية, ولهذا فإنه يتأكد فيها القول بوجوب الزكاة. بل أيها أحق بالزكاة, تلك الأرباح الناتجة من المشاريع الاستثمارية التي ينتفع منها البلد والمجتمع, أم تلك الأراضي البور التي يحتكرها التاجر لنفسه, ولا ينتفع منها البلد ولا المجتمع, سوى أنها ترفع عليهم الأسعار بأرقام فلكية؟ لا ريب أن القول بوجوب زكاة الثانية أحق وأولى؛ لأن أخذ زكاتها من التاجر كل سنة, من شأنه أن يحفز التاجر على تحريك هذه الأراضي التي حرم منها المجتمع, وبيعها بأسعار معقولة, وهنا يأتي تساؤل آخر, وهو: أن الضريبة تقوم بمثل الدور الذي تقوم به الزكاة, حيث تحفز التاجر نحو البيع بأسعار معقولة, فلماذا يعدل عن الضريبة إلى القول بجباية الزكاة, والجواب من عدة أوجه:
أولاً: أن الزكاة هي حق أوجبه الله تعالى على عباده, والكثير من التجار يدفعون الزكاة بطيب نفس, وهذا بخلاف الضريبة التي يشعر كثيرون أنها تدفع بغير وجه حق.
ثانياً: أن التاجر إذا استشعر أنه يدفع ماله أداء للركن الثالث من الإسلام, وهو الزكاة, فإنه لن يسلك الأساليب الملتوية للفرار من دفعها, إلا من تنكب طريق الشرع, وهذا لا حيلة فيه. أما الضريبة, فإن استشعار كثير من التجار عدم وجوبها, سيجعلهم إزاء ممارسات كثيرة؛ من أجل التنصل عن دفعها, سواء عبر بناء مستودعات صورية باسم تأجيرها, أو عبر غيرها من الأساليب المتبعة في كثير من الدول التي فرضت فيها الضريبة, واتبع فيها التجار حيلاً كثيرة, من أجل الفرار من دفعها, وهذا وإن كان متحققاً في الزكاة, فهي في الحقيقة تحت السيطرة الغالبة, ولاسيما في بلادنا التي يخضع فيها كثير من التجار لأحكام الله تعالى, مع الأخذ بوسيلة التثقيف الشرعي لأرباب الأموال عبر وسائل الإعلام, وعبر الغرف التجارية, وتعريفهم بأحكام الزكاة, وحكمها العظيمة, وتسليط الضوء - مثلاً- على حكمة الشارع من إيجاب الزكاة في العروض التجارية بعامة, سواء كان مدارة أم محتكرة؛ والتي منها:
1- حفز التاجر على تشغيل المال وتحريكه؛ لأنه إذا علم أن الزكاة تجب في ماله المعد للتجارة بنسبة 2.5 في المائة, فهذا من شأنه أن يحفزه لاستثماره في المشاريع المختلفة بما يحقق أعلى من هذه النسبة, وبهذا يعود أثره على التاجر والمجتمع ككل, وبهذا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:(اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) لما فيه من استنهاض همة الولي لتشغيل ماله بما يعود عليه بالنفع المادي, والمعنوي.
2- خفض الأسعار على المدى البعيد, فالتاجر إذا علم أن الزكاة ستجبى منه في نهاية كل عام, فإن هذا سيدفعه إلى تحريك الأراضي التي في حوزته حتى لا تأكلها الزكاة, ولاسيما إذا كان ممن يكتنز الأراضي لسنين طويلة كبعض هوامير العقار.
3- مواساة الفقراء والمساكين من هذه الأموال الطائلة, والذين ربما لا يجدون كسرة تسد جوعتهم, أو ماء يسد رمقهم في طول العالم وعرضه.
وبهذا تكون جباية الزكاة على الأراضي التجارية عاملاً مؤثراً في تحريك الأراضي المحتكرة نحو بيعها, ونفع المجتمع منها بأقل الأسعار, وصدق الله إذ يقول:(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي