الوجه الآخر لحل مشكلة الإسكان ودوره في رفع الاقتصاد الوطني

تناولت موضوع أهمية الإسكان في مقالات سابقة كجزء مهم من سياسات الدول لأنها تمس حياة كل مواطن وتساعد على الاستقرار الاجتماعي والسياسي وأثرها في التنمية الحضرية والاقتصادية للدولة. فالإسكان موضوع كبير ومتشعب ويضم تحته مجموعة من الجهات الخدمية، العدلية، التنظيمية، المالية والاجتماعية.
 ولكن إضافة إلى أهمية الإسكان لتلبية حاجة المواطن من السكن إلا أن اهتمام الدول بموضوع الإسكان له وجه آخر ومهم وهو أن الإسكان يعد موظفاً أساسياً وصانعاً لفرص العمل لمواطني تلك الدول وتشيد المصانع لمواد البناء. وعندما تدعم الدول موضوع الإسكان فإنها لا تحل مشكلة الإسكان فحسب وإنما يستفيد مواطنوها واقتصادها بطريقة مزدوجة أو مضاعفة. فهم يحصلون على السكن ويضمنون وظائف في قطاعات المقاولات والهندسة والتأثيث وتجارة مواد البناء وغيرها. وبذلك يستفيد منها الاقتصاد الوطني. فالمواطن سيدور هذه الأرباح لشراء متطلبات أخرى له ولأفراد عائلته سواء من الضروريات أو الكماليات. والتدوير للقطاعات الاقتصادية الأخرى وبذلك يحرك الاقتصاد الوطني. وبذلك تدور الأموال في وسط البلد أو بمعنى آخر تكون لها دورتها الاقتصادية الكاملة لمنفعة الاقتصاد الوطني.
بينما نحن في المملكة قد لا نستفيد من ذلك فنحن لم نستعد ولم ننم أو نشجع على تنمية مهنة المقاولات والعقار وتدريب العاملين وتأهيلهم في قطاع الإسكان سواء كعمالة مدربة أو شركات مقاولات أو الشركات المهنية الأخرى التي تدخل في قطاع الإسكان وبحيث تدور أموالنا بيننا بدلا من أن تتسرب إلى خارج الوطن. لقد أصبحت بعض الدول حولنا تعيش عمالتها عالة علينا. وكان قرار حل مشكلة الإسكان لدينا بشرى خير لهم.
وتشير التقارير الدولية إلى أن تنفيذ ألف وحدة سكنية متوسطه يوفر 2500 فرصة عمل، إضافة إلى ما توفره من فرص عمل لمؤسسات السمسرة والتأمين على الصكوك والمباني والمصارف والبنوك ودور التمويل. إضافة إلى المؤسسات والمهن والمقاولين الذين يستفيدون من الاستثمار العقاري بطريقة غير مباشرة مثل: شركات التأثيث، الأجهزة، الأدوات الكهربائية والإلكترونية، نقل الأثاث، التنظيف ومنسقي الحدائق.
ويؤكدون أن الاستثمار في الإسكان هو محرك للاقتصاد في جميع دول العالم الحديث. ويمثل عادة بين 10 و20 في المائة من الناتج الوطني GNP. كما أنه يزيد من فرص العمل للمواطنين. وقد تم إجراء دراسة في إحدى الولايات في أمريكا ووجد أن بها نحو ثلاثة آلاف شركة عقارية عام 2006م ومعظمها تشارك في موضوع الإسكان. فوجدت الدراسة أن تلك الشركات وفرت 105 آلاف فرصة عمل أو ما يقارب 4 في المائة من مجموع العمالة في الولاية. ودفعت تلك الشركات أكثر من سبعة مليارات ريال كمرتبات للعمال وأضافت 13 في المائة من الناتج الوطني (محلي) للولاية.
إن الاستثمار في الإسكان له أهميته كمحرك للاقتصاد المحلي عالمياَ. فهو يلعب دوراً كبيراً في حماية الاقتصاد من الهبوط المفاجئ. ويعمل كوسادة يرتكز عليها الاقتصاد في الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد. كما أنه قطاع يقود اقتصاد الدول في حالات الركود الاقتصادي لأنه يأخذ وقتاً أطول في الهبوط والارتفاع من سوق الأسهم.
وبعكس سوق الأسهم فإن دراسة لمركز دراسات الإسكان في جامعة هارفارد يشير إلى أنه مقابل كل ألف دولار ربح للفرد في الاستثمار في الإسكان فإنه يصرف 150 دولاراَ ليدورها في قطاعات أخرى بينما الربح نفسه في سوق الأسهم يدور فقط 40 دولاراَ. كما أن تنفيذ المشاريع السكنية يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لذلك فهو محرك ومؤشر رئيس لسعر الفائدة في البنوك. إضافة إلى أنه يقوم بنوع من تدوير الأموال لتتوزع على جميع القطاعات الاقتصادية ليطول منها الجميع مثل المكاتب الهندسية والمقاولين وتجار مواد البناء ودور النشر والصحف ومكاتب الإعلانات والتسويق وشركات الحاسوب والإنترنت وغيرها.. نحو 100 صناعة. ويساعد على إيجاد فرص العمل للمواطنين.
هذا الطرح الموجز قد لا يفي الموضوع حقه ولكن الدرس الذي نستفيده هو أننا يحب أن نتعلم ممن سبقونا في تجربة الإسكان وأخذ آخر ما وصلوا إليه وتسخيره ليناسب ظروفنا و"حنا غير" وإتاحة الشفافية وخلق بيئة قانونية وتقنية مبنية على الثروة الحقيقية وهي ثروة قاعدة المعلومات. وأهمية الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ورأب الصدع بينهما احتراما للمصلحة العامة. وإلى محاولة تنظيم قطاع الإسكان المهم وأن نستمر في تطوير هذه المهنة وابتكار طرق أحدث للتوفير في الإسكان وتسويقه مع تسخير جزء من جهودنا للبحث والتطوير العلمي.
بعد أن استعرضنا دور الإسكان في تدوير عجلة الاقتصاد عالمياَ ومحلياَ فإنه يمكننا الآن مقارنة الوضعين ومحاولة معرفة ما ينقصنا. وحتى يكون لدينا قطاع إسكان فاعل فإننا يجب أن نركز على إكمال الحلقات المفقودة لهذا القطاع ومحاولة تنميتها وربطها بالقاطرة ليتحرك قطار العقار. وأهم هذه الحلقات المفقودة هي:

1. هيئة للعقار.
2. الرهن العقاري.
3. التسجيل العيني للعقار.
4. اعتماد كود البناء السعودي.
5. نظام لحماية المستثمر وضمان حصوله على الإيجارات المتأخرة وإخراج المستأجر الذي يتأخر في السداد.
6. صياغة وتقنين الأنظمة العقارية والعقود الموحدة وتأهيل العقاريين وتصنيف المكاتب العقارية.
7. توفير وتأسيس قاعدة المعلومات العقارية.
8. سرعة اعتماد النطاق العمراني الجديد للمدن.
9. وضع تصور واضح لمخططات شاملة للمدن ولأنظمة التخطيط والبناء للمخططات والوحدات الإنشائية.

مستشار تخطيط عمراني

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي