رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ديوان المراقبة العامة في فخ التناقض (1)

[email protected]

يعد ديوان المراقبة العامة من أهم أجهزة الدولة ولا شك، لكنه فقد البوصلة فاختلطت لديه الاتجاهات وذلك عندما سيطر الاسم عليه وضاعت منه الاختصاصات. فيبدو أن فكرة المراقبة (واللاحقة فقط) قد سيطرت على أعمال الديوان ودوره الواجب، وفي ذلك تغليب واضح لبعد واحد واختصار مخل جدا للمهام الكبيرة التي يجب أن يقوم بها الديوان.
وفقا لموقع الديوان فإن مهمة الديوان (رسالته) Mission تنص على "يختص الديوان بالرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة ومصروفاتها وكذلك مراقبة جميع أموال الدولة المنقولة والثابتة ومراقبة حسن استعمال هذه الأموال واستغلالها والمحافظة عليها". في هذه العبارات يتضح أن قدرات هذه الجهاز العظيم قد تم اختصارها في إيرادات الدولة ومصروفاتها وتحديدا في الرقابة اللاحقة عليها فقط. ثم إذا ذهبنا إلى المادتين السابعة والثامنة من نظام الديوان نجد إنهما حددتا اختصاصات الديوان بالرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة، ومصروفاتها وحسن استعمالها والمحافظة عليها، ثم تختصر المادة الثامنة هذه المهام إلى الرقابة المالية فقط. ولذلك فإن تقييم أعمال الديوان وكذلك تقدير موازنته لكل عام تخضع لهذا القيد.
ولكن في المقابل وفي الصفحة نفسها وفي الموقع ذاته حددت الأهداف الاستراتيجية للديوان أنها: (1) تزويد المقام السامي ومجلسي الوزراء والشورى بتقارير موضوعية وذات مصداقية حول أداء الأجهزة الحكومية والوضع المالي للدولة. (2) الارتقاء بمستوى أداء الديوان ليصبح جهازاً نموذجياً يمارس دوره باستقلالية وكفاءة مهنية عالية. (3) مساعدة الوزارات والمؤسسات الحكومية على تطوير أجهزتها المالية والإدارية لمواكبة المستجدات وتلبية متطلبات التنمية وتحقيق الانضباط المالي. هنا تضطرب العبارات وتتداخل السلطات وتضيع الاتجاهات. كيف تكون من أهداف الديوان الاستراتيجية تزويد المقام السامي ومجلسي الوزراء والشورى بتقارير عن الأداء؟ وكيف يقدم تقارير عن الوضع المالي؟ أليست هذه مهمة وزارة المالية؟ أليس مهام الديوان في الرقابة اللاحقة فقط؟ ثم تظهر من ضمن الأهداف الاستراتيجية عبارات لم تذكر في مهمة الديوان أو رسالته ولا المواد السابعة والثامنة من نظام الديوان كما اختفت عبارات. فمثلا اختفت عبارة الرقابة اللاحقة لإيرادات الدولة ومصروفاتها وظهرت عبارات مثل تقييم الأداء ومساعدة الأجهزة الحكومية على تطوير أجهزتها المالية فكيف يمكن الجمع بين الأمرين أم أننا نتحدث عن جهازين وليس جهاز واحد؟ تزداد القضية تعقيدا عندما نعرف أن الديوان يؤكد أنه يمارس الأنواع التالية من الرقابة:1- الرقابة المالية. 2- رقابة الالتزام (النظامية). 3- الرقابة على الأداء. 4- الرقابة الشاملة (ولن أناقش معنى رقابة شاملة هنا!). إذا فإن مهام الديوان أكبر من مجرد رقابة مالية (ولاحقة فقط) أو أن الديوان يشعر أن مهامه أكبر من منطوق المادتين السابقتين، لكن هل يرى الجميع ذلك؟ هل هذا ما تراه الشركات والمؤسسات الحكومية باختلاف أنواعها؟ هل هناك تناسق بين مهمة الديوان (التي حددها الديوان بنفسه وفي موقعه) وأنواع المراقبات التي يقوم (أو يتمنى أن يقوم) بها؟
اللوائح تنص وبشكل صارم على مهمة الرقابة. لكن القضية أن كلمة الرقابة كلمة واسعة جدا وهي سبب الإشكال الكبير في فهم عمل الديوان وتقبل اختصاصاته من قبل جميع الجهات ذات العلاقة. إن ما يقوم به الديوان فعليا هو مجرد مراجعة وليس مراقبة. إن المراجعة جزء من نظام المراقبة وليست هي النظام نفسه. لذلك نختلف في تفهم دور الديوان وعلاقته بوزارة المالية والممثل المالي في كل وزارة وستصبح الإشكالية أكبر مع ظهور وحدة المراجعة الداخلية.
إن ديوان المراقبة يعمل ضمن مفهوم المال العام الذي تخضع لحساباته جميع أموال الدولة الثابتة والمنقولة، وتقوم وزارة المالية بدور المحاسبة لتسجيل العمليات المالية وتبويبها وتلخيصها ومن ثم عرضها وفقا لما تقتضيه إجراءات المحاسبة الحكومية في السعودية. يعتقد الجميع إن ديوان المراقبة العامة يمثل دور المراجع الخارجي لهذا النظام المحاسبي لذلك تنص الأنظمة على أن يقوم بالرقابة اللاحقة وهنا يظهر الخلل. فالديوان لم يستطع البقاء في كرسي المراجع الخارجي لأنه جزء من النظام المالي للدولة وجزء من الوحدة المحاسبية التي تصدر عنها التقارير وهى المال العام وليس منفصلا عنها. فهو بين مهام وبين واقع. مهامه مهام مراجع خارجي وواقعه يقول إنه يمثل دور المراجع الداخلي. إن تقييم الأداء وتطوير الأجهزة المالية والإدارية للدولة وكذلك القيام بمراجعة مدى الالتزام وتطوير أنظمة الرقابة في الدولة ومتابعة التقيد بها هي من مهام المراجع الداخلي وليس الخارجي وهي مهام ديوان المراقبة وما يجب أن يقوم به.
إن الخلاف ليس في أن الديوان يمثل مراجعا خارجيا أو داخليا لكن المشكلة في أن سيطرة هذه الفكرة هي التي قادت إلى فجوة التوقعات بين ما يعتقد الديوان أنه من مهامه ومسؤولياته وبين ما يعتقد الخاضعون لإشراف الديوان، وتعامل الشركات المساهمة مع الديوان وموظفيه تعكس هذه الحقيقية. وفي المقالات المقبلة سأوضح التناقض بين النظرتين وبين الديوان ونفسه في متابعة أعمال الشركات ولعلي أقترح حلا بسيطا لذلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي