لماذا أفل نجم مشروع الصحة الإلكترونية؟
كنت قبل هذه المقالة نوهت في نحو (14 مقالة) مختلفة المحاور عن وضع مشروع الصحة الإلكترونية في السعودية التي لو ضمت لما كتب عنه آخرون من ناحية فنية وتم استخلاص النقاط منها ونوقشت بكل تجرد لكان للمسؤولين في القطاعات الصحية أو المقدمة لخدمات صحية رأي ومنطق بل سياسات مغايرة لما اتبع خلال السنوات الثلاث الماضية ولكان هناك استدراك لكثير من القرارات وتبنٍ لأخرى ذات فاعلية أكبر, ولما وصلنا للوضع القائم حاليا وهو الوقوف، حيث بدأنا إن جاز لي قول ذلك. إن الفجوة بين المخططين والمنفذين صنعتها الإدارات العليا في كل من هذه القطاعات, وما إعادة الزمن للوراء لتنفيذ توصيات مر عليها عامان وهي أصلا توصيات كان لا بد أن تنفذ قبل ذلك الوقت بعامين إلا ابتعاد عن التفكير فيما يمكن أن ينقذنا من الكبوات المقبلة. واقعنا إذا كان قد خطط له بشكل جيد فإن تنفيذه جاء سيئا, وإذا كنا نسعى للاجتماع في مؤتمرات لمناقشة المشروع وتبادل الرأي حوله فإن الأجندة الأساسية كانت إما إضافة شهادة في السيرة الذاتية أو للظهور الإعلامي البراق أو للتسجيل أننا أقمنا مؤتمرات ولكن المنفذ كان دون التوقعات. إن نتائج آخر مؤتمر للصحة الإلكترونية نذير بأُفول نجم كان يمكن أن يكون مضيئا بحيوية فوائده, وكبيرا بما يحمل من تطوير للرعاية الصحية بأنواعها ومستوياتها المختلفة, ومهماً بالشروع فيه في هذه المرحلة من مراحل التنمية الواعدة, وأعتقد أن ما نمر به الآن ستحاسبنا عليه بعد أعوام أجيالنا المقبلة, لأننا استهلكنا الموارد وأضعنا الوقت ولم نضع بنية تساعدهم على الانطلاق لأبعاد متقدمة تلائم بيئتهم في ذلك الوقت, فلا يلومن مسؤول مسؤولا آخر ولا يلومن موظف مسؤولا ولا يلقي المخطط باللائمة على المنفذ ولا الأكاديمي يقوم فيلوم القطاع العام لأن الكل أصبح مسؤولاً الآن.
نحن إذا أردنا أن نكون إيجابيين ونحاول الاستفادة من هذا التراجع فعلينا الإسراع بالقيام بخطوات إيجابية نتعاون جميعا على تنفيذها, ومن وجهة نظري يمكن أن أسهم بالرأي التالي: أولاً: لابد أن تعي الإدارة العليا في القطاع (أي قطاع) أنها شريكة الموظف في النجاح والفشل في كل ما تم إعداده أو شراؤه أو تحضيره أو توظيفه أو التوجيه به ولم يكن كافيا لإنجاح المشروع. ثم لابد أن تعي الإدارة العليا أن العامل أو الموظف هو ركيزة المشروع فدون الاختيار الجيد والتدريب المتقن وتهيئة البيئة من حوله للعمل الجيد والمجود وتقييم الأداء بشكل دوري فلن يكون هناك مشروع ناجح. فيما يتعلق بالتدريب فلابد أن تحرص الإدارة العليا على تدريبهم وتهيأة البيئة المناسبة لعملهم من قبل خبراء في المجال أو من تمكنوا من إدارة مشاريع تقنية المعلومات سابقا وحققوا إنجازات تشهد لهم بذلك أفرادا كانوا أم مؤسسات, محليين كانوا أم دوليين. من جانب آخر لا بد أن تنتبه الإدارة العليا إلى أن شراء الأجهزة وتكديسها لا يعد مؤشرا ايجابيا لتقدم المشروع فمفهوم تطوير التقنية يتغير بسرعة ونوعية الأجهزة المطلوبة والبرامج أو التطبيقات وأسلوب العمل يحتم علينا التعامل مع الأوضاع بحرفية ومهارة مناسبة للوضع القائم دائما. كما أن التوجه نحو استخدام النظم الصحية العالمية وتطبيقها كما هي بغرض الإسراع في تحقيق الإيجابيات لهو المرض الإلكتروني بعينه, ولابد أن يكون تبني ذلك مدروسا بعناية. ثانيا: الكرة الآن في ملعب مجلس الخدمات الصحية فإجماع المجلس على تنفيذ وثيقة يلتزم بها جميع الأعضاء في تحقيق أهداف المشروع, كل في جهته والتحلي بالجرأة إذا ما تطلب الأمر إحداث تغيير سياسات داخلية تنقذ المشروع قبل أن يكون أمرا مستعصيا, وفي هذه يجب تحديد مسؤوليات وتحديد فترة زمنية للإنجاز مع وضع أسلوب تقييم ومحاسبة إيجابي لكل الأفراد في كل مستويات المسؤولية. ثالثا: قد ترى اللجنة المشرفة اتباع آلية للتقييم عبر مدارسة معايير توضع للتقييم من حيث: الإنجاز وتوجه والمسؤولين وعزيمتهم, تطبيق العاملين ما دربوا عليه, وضع بيئة العمل بشكل عام, الجدية في التوجه للمستقبل, التعديلات والتحسينات وتأثيرها في تقدم المشروع, مواءمة التجهيزات لمتطلبات المرحلة, اختيار الأنظمة, وتعاون الجهات المهمة الأخرى مثل وزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية ووزراة العمل. رابعاًً: على كل جهة أن تقيس مدى تأثير الرعيل المحب للورق غير القادر على التعامل مع التقنية شخصيا (الذي لا يميل إلى تعميم استخدام التقنية من حوله) في نسبة إنجاز المشروع ونوعية القرارات. هذا بالطبع يمتد إلى قياس إبداعاته وسلوكياته الدالة على أطلاعه المستمر وبحثه عن كل جديد يمكن تبنيه. خامسا: على الجهة تحجيم مشكلة عرض "المقابل" الذي يضمن للموزع أو المسوق أو المندوب البقاء في مدار هذه الجهة أو تلك سواء في الإدارة المركزية أو في الفروع متلقفا كل مشاريعها من دون أن يكون مؤهلا كشركة أو كيان للتنفيذ المتقن ومصنفاً من قبل الجهة المخولة بذلك لتنفيذ مثل هذه المشاريع وحسب حجمها في القطاع حتى لا يعرضها للانهيار ويكون من مسببات تشويه صورة الاستثمار ومنهياً بذلك مسألة الإبداع والابتكار.
مقارنة بما تحقق وبما يجب أن يكون فنحن حاليا نبتعد عن المسار الذي رسمه واتخذه العالم من حولنا بل ورسمناه لأنفسنا, لذلك علينا أن نستفيد من هذه الكبوة بالبدء بأسلوب جديد يعتمد على عمل دؤوب لا كلل فيه ولا ملل, منفذ من قبل أكْفاء متابع من قبل مختصين وخبراء واضعين نصب أعيننا تحقيق النماء والرخاء, والله المستعان.