رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مؤسسة النقد والمسؤولية

[email protected]

نسب إلى المحافظ خبر حول تأسيس صندوق سيادي بحجم ستة مليارات دولار، وذلك بغرض الاستثمار في المملكة. وقبل ذلك سبق أن صرح وزير المالية بتصريح مماثل ومبلغ 20 مليار ريال وبغرض مشابه. تأتي هذه التصريحات التي تتحدث عن نفس "المصدر" المالي باختلاف في الحجم والتوقيت وحتى العملة، وبعد أن مضى على تصريح وزير المالية عدة أشهر دون ذكر أي تفاصيل عملية – خاصة إذا ما عرفنا أن صندوق الاستثمارات العامة تنقصه التجربة العملية (لاحظ الدور المحدود في القيام بدوره كمستثمر رئيس في كبرى الشركات السعودية)، وكذلك ينقصه الكادر البشري المدرب والعميق والكافي لإدارة هذه الأموال، ولقد تعرضت إلى هذا الموضوع في مقالة سابقة. كذلك تأتي هذه التصريحات على خلفية وصول صندوق أبو ظبي للاستثمار إلى نحو 900 مليار دولار (لا تزال مؤسسة النقد عند نحو 300 مليار دولار)، وكذلك خبر آخر حول وصول هذا الصندوق وصندوق سنغافورة حول مذكرة تفاهم لمحكومية الصناديق السيادية مع أمريكا.
السؤال الملح هو: هل هذه التصريحات تصب في استراتيجية واضحة المعالم؟ وهل هي جزء من استراتيجية تنموية أكبر؟ أم أنها في وارد العلاقات العامة وامتصاص النقد لعل هذه الموجة من النقد للفريق الاقتصادي مثل غيرها تمر دون تمحيص ومساءلة؟
بدأت حياتي العملية مع مؤسسة النقد، ولذلك أشعر أنني أنقد جزءا مني ولكن أهمية إدارة الأموال العامة ودورها المحوري في نقل اقتصاد المملكة إلى مصاف الدول الأكثر تقدما أكبر منا جميعا. لم تتغير طبيعة الأعمال الاستثمارية تفكيرا وتنفيذا وحتى في جزء كبير (الأفراد) منذ أن تركت العمل هناك قبل 20 عاما. ترتفع عوائد النفط وتمر طفرة وتنزل العوائد ونعاني ركودا والفريق الاقتصادي في المالية والمؤسسة يذكرنا دائما بسياسة "التحفظ"، وكأن التحفظ أصبح السبب لوجودنا الاقتصادي. لذلك بعد طول هذه المراقبة لا بد أن الجواب عن السؤال هو أقرب إلى العلاقة العامة أو تضخيم واستمرار ما هو موجود، لا نعرف ماذا يقصد المحافظ في ظل ما ذكره الوزير، فهل هناك منافسة غريبة أم هو اعتراف بعجز صندوق الاستثمارات العامة؟ فصندوق الاستثمارات العامة لا يختلف كثيرا عن إدارة الاستثمار في مؤسسة النقد من ناحية الحفاظ على وتيرة لم تستطع مواكبة العصر فكريا وعمليا وبشريا. هناك تشابه كبير بين الأجهزة الحكومية المعنية بإدارة الاقتصاد بسبب تكدس التجارب المشابهة وتزاوج الطاقات البشرية.
لعل المهارة الإعلامية في هذا الإعلان هي التوجه نحو الاستثمار في المملكة، حيث الحنين إلى ذلك سيجد التجاوب، ولكن الحقيقة المالية المعروفة أن المملكة بلاد مصدرة لرأس المال. لذلك فإن الخلاف ليس حول الاستثمار في المملكة، بل حول ماهية توظيف هذا الاستثمار في إيجاد النواحي التكميلية استراتيجيا مع أهداف المملكة الاقتصادية أو النواحي التوزيعية أو غيرها من النواحي الفنية في إدارة الأموال. في محاضرة نظمها قسم الاقتصاد في جامعة الملك سعود ذكر اقتصادي نرويجي فائز بجائزة نوبل للاقتصاد حيرته حول عدم وجود صندوق سيادي كما في النرويج وغيرها.
وظيفيا هناك فرق كبير بين صندوق سيادي سعودي وبين دور مؤسسة النقد "كبنك مركزي" في إدارة السياسة النقدية ومراقبة البنوك والتأمين، وهناك فرق كبير آخر بين وظيفة وزارة المالية في إدارة السياسة المالية وإدارة صندوق سيادي وطني. لا شك أن هناك تداخلا بين هذه المهام ولكن التخفي خلف هذه التداخلات هو مهرب من المسؤولية أكثر منه قدرة على مواجهة الاستحقاقات الحديثة. وضوح الفكر وتفكيك هذه الهيكلية التي تعداها الزمن هما الخطوتان الأوليان نحو تفعيل إدارة رأس المال الوطني. مطالبة هذا الفريق بالإصلاح بعد كل هذه التجربة تتأرجح بين الخوف غير المبرر من المستقبل والرضا بالصبر المميت.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي