رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


تضخم المدن يؤدي إلى انتشار الجريمة

أنادي وينادي الكثير من المختصين بالحد من النمو المذهل لمدننا ولكننا لا نرى أية مبادرة أو مساع تذكر للتفكير في ذلك الأمر. وقد تكون الأحداث الإرهابية التي عشناها وانتشار حوادث السرقة والجريمة هذه الأيام أكبر شاهد على أن النمو الرهيب يفقد الدولة عملية السيطرة على الجريمة كما أنه يؤدي إلى تفكك المجتمع وكثرة الفساد الاجتماعي وقلة فرص العيش وتفشي البطالة والجريمة إلى حدود لا تمكن رجال الأمن من السيطرة على مجريات الأمور. إضافة إلى معاناة المواطنين من الاختناقات المرورية والازدحمات على الخدمات. والأمثلة على ذلك دولياً كثيرة. وقد وصل بعض المجتمعات إلى مرحلة ارتفاع معدلات الانتحار وعصابات المافيا والمخدرات التي إذا لم نصح ونخطط لتفاديها فهي قادمة. فلماذا لا نستفيد من تجارب التاريخ وتجارب غيرنا التي تؤكد أن نمو المدن فوق طاقاتها أو ما تملكه من مقومات يعد من أكبر وأبرز المشكلات التي تواجه المدن الكبرى في العالم. مما جعلها تستحدث نظريات لإيجاد واستحداث حلول تخطيطية مناسبة للحد من نمو المدن العشوائي ومن هذه النظريات تأتي نظرية "مناطق النمو العكسي" Polarization Reversal و"بؤرات النمو خارج المدن" GROWT‎H POLE THEORY وأبرز مثال طبق لها في العاصمة البرازيلية مدينة برازيليا ومدن الحدائق حول لندن. فلماذا لا نتحرك قبل أن يخرج الأمر من أيدينا ونحاول أن نستفيد ولو بقليل من تاريخ وتجارب المدن التي سبقتنا وتورطت في هذا المجال.
الحل واضح ومعروف وهو في محاولة نقل الاقتصاديات الأساسية مثل بعض المؤسسات المالية والتعليمية والصناعية إلى خارج المدن. واللجوء إلى المدن أو الضواحي السكنية خارج المدن. والتحول إلى المدن التخصصية بصبغة واحدة إما إدارية بحته أو صناعية أو مالية أو سياحية.
فمن المعروف عملياَ وعلمياَ أن هناك علاقة وثيقة بين تضخم المدن وزيادة معدلات وأنواع الجريمة لدرجة لا تمكن من السيطرة على الأمن. وهناك علاقة أكبر بين تخطيط المدن والحد من خطورة الأعمال الإرهابية. حيث أن تخطيط الأحياء بطريقة تقلل من المنافذ يساعد على عملية السيطرة والمحاصرة للأحياء بسهولة. وقد اتضح ذلك في الأحداث الإرهابية الأخيرة. كما أن تخطيط وتصميم بعض المباني والوزارات المهمة بحيث تكون في مواقع مخصصة ومعزولة في تجمعات ومحاطة بمساحات تصل إلى 100 متر لتفصلها عن الطرق المحيطة بها يساعد على حمايتها من الأعمال الإرهابية وحل ما نراه اليوم من تشويه وإعاقة للطرق والمدينة.
وأحد الحلول لمحاربة الجريمة هو أن يتم من الآن الحد من تضخم المدن الكبرى في المملكة والتحول إلى المدن التخصصية بصبغة واحدة إما إدارية بحته أو صناعية أو مالية أو سياحية... فقد انتهت موضة التنافس حول من يملك مدناً وحاضرات كبيرة و مكتظة بالسكان وثبت للجميع ومن تجارب الآخرين أن النمو وتضخم المدن قلما كان مطلباَ حضاريا. وأن التاريخ والنظريات الحديثة في التخطيط تؤكد أن لكل مدينة في العالم حجماً وحدوداً ملائمة للنمو تتناسب مع مقوماتها ويجب ألا تتعدها. وأن تملك بعض المقومات الاقتصادية أو الطبيعية الدائمة، التي تؤمن احتياجات سكانها على مر العصور.
وأحد أهم الحلول هو خلخلة القاعدة الاقتصادية للمدينة بنقل بعض الاقتصاديات التي تنمو عليها الخدمات. مثل نقل مقر "سابك" إلى مدينة الجبيل أو ينبع ونقل بعض الجامعات مثل جامعة الإمام محمد بن سعود إلى القصيم وتحويلها كمقر لجامعة البنات وتوفير تكلفة المقر الجديد. وكذلك نقل بعض أجهزة وزارة الدفاع والحرس الوطني إلى شمال وجنوب المملكة. إن نقل مثل هذه الأنشطة الاقتصادية يؤدي إلى نقل موظفيها والعاملين في الخدمات التي توجدها من مدارس ومستشفيات و بقالات ومغاسل وبنوك محطات...الخ. وذلك باتباع سياسة التنمية المتزنة وإعطاء المدن والقرى الأخرى دورها بجعلها مناطق جذب.
إن التكوين الحالي لمدننا والتوجه الحديث للمدن الاقتصادية يؤكد جاهزيتنا للتوجه للمدن التخصصية فلدينا العاصمة السياسية والتجارية والدينية ومستقبلاً العاصمة السياحية. ولدينا المدن الاقتصادية الجديدة ولكن ينقصنا التخطيط والتنسيق والتنمية المتزنة والمستدامة. والاهتمام باختيار موفق لمواقع تلك المدن وتخصيص كل مدينة حسب طابعها ومقوماتها. فذلك مازال مفقوداً وما زلنا نعاني إرهاصات وتركات ومشكلات الطفرة العقارية السابقة التي داهمت إمكانيات رجال المدينة بغفلة ودون سابق إنذار. وبقيت هياكل المدن ونمطها ونسيجها مهمل كالأطلال الخاوية.
ومدينة الرياض هي أهم المدن التي تعاني فقدان طابعها فمطلوب منها أن تكون سياسية وإدارية وتجارية ومركزاً مالياً واقتصادياً وتاريخياً وقد تكون صناعية وكل ذلك في وقت واحد. وهذا أمر يصعب ويستحيل على المدينة تحمله. فلماذا لا تكون عاصمة إدارية فقط.
إن النمو الحضري والسكاني من أهم المشكلات التي تواجه الشعوب ويجب أن نحاول التحكم فيه قبل أن يلتهمنا. فالنمو يحتاج إلى مقومات وتكاليف أبدية تضمن العيش الشريف للأجيال القادمة. لذلك فإن ما نسمعه عن نمو مدننا سكانياً والذي نعرف أنه سيتضاعف قريباً يجب أن يتواكب مع مقومات المدينة وما يمكن أن تقدمه مستقبلاً من ثروات مائية وزراعية واقتصادية لسكانها على المدى البعيد. فماذا أعددنا للمشكلات المستقبلية الحتمية من جراء هذا النمو. ودون معرفة حجم ومدى هذه المقومات ومدى بقائها للعصور القادمة فإنه من الأفضل الوقوف عند حد نموذجي معين من النمو (وهذا الحد أيضا يحتاج إلى مقومات ليست سهلة) ومحاولة تحويل النمو المستقبلي إلى المدن المجاورة وتقليل نسبة الهجرة من القرى إلى المدينة وذلك بعدم السماح بفتح معاهد تقنية أو جامعات وتحويرها إلى القرى المجاورة للمدينة و جعلها نواة (قاعدة اقتصادية) لمدن جامعية يمكنها النمو ذاتياً أو التشجيع على نقل بعض المؤسسات الكبيرة الخاصة مثل "سابك" أو "بترومين" والتي من الأولى أن تسهم في نمو مدن أخرى مثل مدينة الجبيل الصناعية أو تحويل بعض الجامعات والمصانع الوطنية إلى القرى المجاورة. فوجود هذه المنشآت في الرياض يتضارب مع سياسة استحداث مدينة الجبيل الصناعية وتحديد مدينة الظهران كموقع لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن الذي يعد من أنجح الأمثلة لمعالجة النمو وقد ساعد كثيراً على تهدئة النمو العمراني في حاضرة الدمام في المنطقة الشرقية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي