رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الهيئة العامة للسياحة والآثار .. الدور الاقتصادي والصلاحيات المطلوبة

[email protected]

أُقر في الأسبوع الماضي التنظيم الجديد للهيئة العامة للسياحة والآثار وعلى أنه يمنح الهيئة أدوارا وصلاحيات مهمة، إلا أنه بكل تأكيد يظل غير شامل لجميع الموضوعات والقضايا التي تتعلق بقطاع السياحة، وبالتالي قد يقلل من قدرة الهيئة على إيجاد بيئة سياحية جذابة على الصعيد الوطني والنجاح بشكل كامل في تحقيق مهمتها. ذلك أن المبدأ الإداري يقول بضرورة "التوازن بين المسؤوليات والصلاحيات"، فلا يمكن مطالبة الجهاز الإداري بالأداء دون منحة الصلاحيات اللازمة لأداء مهامه الموكلة إليه على أكمل وجه. وقد تكون عبارة "على أكمل وجه" مهمة جدا، إذ ليس العبرة بأداء الأنشطة والأعمال وحسب، ولكن أداؤها بطريقة تقود إلى الإنجاز وتحقيق الأهداف والنتائج المتوخاة عند أعلى مستويات الجودة. إلا أن المشكلة تكمن في نقل الصلاحيات من جهة حكومية إلى أخرى، حيث تتداخل المهام فيما بينها. ولذا قد يكون التنظيم الجديد للهيئة يعكس صيغة توافقية وليس بالضرورة الحصول على جميع الصلاحيات المطلوبة للهيئة. ما يوحي بذلك فلسفة الهيئة العامة للسياحة والآثار التي اعتمدت منذ تأسيسها على عقد شراكات والحرص على التعاون مع الأجهزة الحكومية الأخرى بنظرة تكاملية وليس تنافسية وعلاقة انفتاحية وليست انغلاقية.
وتبقى مشكلة المؤسسات الحكومية حديثة التأسيس كما الهيئة، التي تعتمد في تأدية مهمتها على أدوار ومهام موكلة إلى أجهزة قائمة أو أدوار جديدة تتداخل مع مهام هذه الأجهزة. وقد يبدو الأمر سهلا واضحا للوهلة الأولى، إذ ما يجب القيام به ببساطة هو منح الأجهزة الجديدة الصلاحيات المطلوبة، إلا أن ذلك أبعد ما يكون عن الواقع! فالأجهزة الحكومية التي هي بطبيعتها تنظيمات بيروقراطية يغلب عليها رؤية الصلاحيات والسلطات على أنها جزء لا يتجزأ من هويتها وكينونتها وبالتالي يصعب التخلي (وبشكل أدق التفريط) ولو عن جزء منها للأجهزة الجديدة. الإشكالية في أن التنظيم البيروقراطي يعتمد على الإجراءات الداخلية في عملية صنع القرار وليس المتغيرات في البيئة، وبالتالي يكون قياس أدائه اعتمادا على تنفيذ الإجراءات وتعدد المسؤوليات والصلاحيات. إن التقدير والاحترام الذي تلقاه البيروقراطية مرتبط بحجم السلطات والتنظيم وضخامته بغض النظر عن مستوى الأداء الحقيقي والمطلوب، إن غياب المؤسسات التشريعية التي تراقب وتقيس أداء البيروقراطيات أدى إلى هذا الانكفاء على الداخل والتشرنق لتصبح قوة الجهاز في قدرته على جمع أكثر الصلاحيات والمسؤوليات دون ربط ذلك بالنتائج وما ينفع عموم الناس المستهدفين من جميع العمليات الإدارية أو هكذا يفترض.
انه أمر يستحق التأمل والتوقف عنده كثيرا، كيف للمجتمع أن يحقق مستويات أعلى من التقدم والتحضر والقوة الاقتصادية ومازلنا نرى السلطة الإدارية حقا مكتسبا للأجهزة الإدارية لا يمكن التنازل عنها حتى ولو للصالح العام وما تقتضيه ضرورة نقل بعض الصلاحيات لأجهزة أنشئت لتقوم بأدوار جديدة. هناك بعض البيروقراطيين الذي يرون أن نقل بعض الصلاحيات لأجهزة أخرى هو تقليل من قدرهم كقياديين وهي نظرة بلا شك ضيقة لا تستوعب المصلحة الوطنية. مثل هذه النظرة تفوت الفرصة لإدراك أن الجميع في السفينة نفسها وأن علينا تقاسم الأدوار ليقوم كل طرف بما يختص به. الاتجاه للتخصص أمر حتمي ومهم ولا يمكن للبيروقراطيات الضخمة السير بخطى سريعة تتناسب مع وقع التغيرات والمستجدات وهي مثقلة بالمسؤوليات الكبيرة التي تنوء بها. لا يمكن أن ينظر إلى التنظيمات الإدارية من منظور شخصي من قبل البيروقراطيين، فهذا بلا شك سيعطل المشروع التنموي الوطني. إن شخصنة التنظيمات يؤدي إلى حساسية شديدة غير مبررة على الأقل من الناحية المهنية والعملية. إن هذه الحساسية الشديدة تمنع البيروقراطيون من فهم المقصد من التنظيم والصلاحيات وهو الخدمة الأفضل لعموم الناس وتحقيق التنمية الاقتصادية، وبالتالي لا بد أن تتنازل بعض الأجهزة عن بعض صلاحياتها لجهاز آخر من أجل المصلحة الوطنية. إن الهيئة بحاجة إلى أن تمنحها الأجهزة الأخرى صلاحيات لتقوم بأدوارها المطلوبة، وقد يكون هذا ما ألمح إليه الأمير سلطان بن سلمان الأمين العام للهيئة العامة للسياحة والآثار في لقاء صحفي (عكاظ 26 آذار (مارس) 2008 العدد: 2474) عند سؤاله: هل هناك توجه لتحويل الهيئة العامة للسياحة والآثار إلى وزارة مستقلة تعطى قوة وانطلاقة أكبر وأسرع؟ فكانت إجابته "القضية ليست مسميات.. القضية تمكين وهو الأمر المهم ..".
ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع مقال كتبته عن الاستراحات على الطرق السريعة، كنت قد تساءلت فيه عن دور الهيئة العليا للسياحة اعتقادا مني أن هذا يأتي ضمن مسؤولياتها. فكيف يعقل أن يكون لدينا جهاز وطني مسؤول عن الارتقاء بالبيئة السياحية العامة وزيادة جاذبيتها ولا تكون هي مسؤولة عن تطوير هذه المرافق التي تعد بحق الواجهة الأولى للسياحة، والعنصر الأهم المساند للجذب السياحي فضلا عن أنها تعكس الوجه الحضاري والاقتصادي للسعودية الدولة الأكثر تقدما في مناحي كثيرة . لقد وصلني الكثير من الردود تؤيد الاهتمام باستراحات الطرق وكان التساؤل من قبل الجميع لماذا بقيت بهذه الحال المزرية اللاحضارية دون معالجتها والتعامل معها ردحا من الزمان؟! الكثيرون يعتقدون أن المسؤولية تقع على عاتق الهيئة العليا للسياحة وذهبوا يلومون عليها مع أنها ليست الجهة المسؤولة!
إن تطوير المجتمع مرتبط إلى حد كبير بالتطوير الإداري، الذي يتطلب المراجعة المستمرة بما يتناسب مع المستجدات على الساحة الداخلية والخارجية. إن قوة التنظيم الإداري هي في قدرته على استيعاب هذه المستجدات والعمل على احتوائها. لا يمكن الاستمرار في ذات النهج البيروقراطي البطيء الغارق بالإجراءات الروتينية لدرجة تحتل فيها أهمية أكبر من الأهداف التي وضعت من أجلها! ولعل خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله - حفظه الله - الأخير في افتتاح الدورة الرابعة لمجلس الشورى، حين بين أن المراجعة وانتقاد النفس ومحاسبتها أمر ضروري ومنهج اعتاده ويؤمن به، أن يكون مرتكزا أساسا ومنطلقا نحو مراجعة التنظيمات وربطها بالأداء والمهام والإنجازات التي يراد تحقيقها. وحقيقة الأمر أن النظم الإدارية التي تسعى للنمو والاستمرار تعتمد على المعلومات المرتدة واحتواء المتغيرات بتطوير أنظمتها لتتواكب معها. هناك تغيرات كثيرة تتراكم بشكل تدريجي مع مرور الزمن يجب ملاحظتها وعدم الاستهانة بها حتى لا تتحول إلى طود كبير ومن ثم تصعب معالجتها.
إن الهيئة العامة للسياحة والآثار تمثل قطاعا اقتصاديا منتجا أي أنه مولد للدخل وليست هيئة أو مؤسسة خدمية للاستهلاك. يجب أن ينظر إليها من هذه الزاوية لضمان نجاحها والسير في الاتجاه الصحيح. يلزم أن نكون جادين في هذه النظرة كما نظرتنا إلى الصناعات البتروكيماوية والمدن الاقتصادية وغيرها من المشاريع الوطنية. الإيمان والثقة بأن قطاع السياحة يضيف إلى الاقتصاد الوطني ويسهم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة مثل البطالة والفقر وما يتبعها من تداعيات مثل المخدرات والسطو المسلح وحتى الإرهاب. المشكلة حين ينظر الآخرون للهيئة العامة للسياحة والآثار من منظور بيروقراطي صرف وليس من منظور تنموي وتحقيق مصلحة وطنية. السياحة والتراث قطاع اقتصادي مهم بأهمية قطاع البترول والبتروكيماويات وهو بلا شك أهم من بعض الصناعات التجميعية الاستهلاكية التي تعتمد على استيراد كل شيء من الخارج حتى العمالة الرخيصة التي هي شر مستطير ووبال على الاقتصاد الوطني. قطاع السياحة هو مولد للدخل ويجلب الأموال من خارج الاقتصاد الوطني أو على أقل تقدير يحفظ الأموال من الخروج وهو بذلك يقدم خدمة كبيرة للدولة والمجتمع. هناك من يلقي أحكام مسبقة في أن قطاع السياحة لن ينجح لأننا مجتمع محافظ لكن هذا هو بالضبط سر تميزنا وعنصر النجاح الأول. لكن كيف لقطاع السياحة أن ينجح ويثبت لهؤلاء خلاف رأيهم والهيئة لا تملك الصلاحيات الإدارية التي تجعلها قادرة على أداء مهامها على الوجه المطلوب.
لقد حان الوقت للتفكير بعقلية اقتصادية وليس بيروقراطية في فهم ومعالجة التحديات التي تواجهنا. إن ما يثبط العزائم ويقلل من الإنتاجية هو التمسك بالمألوف الإداري وعدم القدرة، بل عدم الشجاعة على التحول إلى أوضاع جديدة. كثير من الدول لا تمتلك معشار ما نمتلك ومع هذا قطعت شوطا كبيرا في مجال السياحة والسبب ببساطة إنها تربط بين المدخلات والمخرجات وبين المقدمات والنتائج وعلى هذا الأساس تمنح الصلاحيات وتحدد الأدوار. الوقت موات إن لم يكن متأخرا بعض الشيء في وضع السياحة في إطارها الصحيح كقطاع إنتاجي يحقق قيمة مضافة عالية، بشرط أن تمنح الهيئة العامة للسياحة والآثار الصلاحيات التي تمكنها من أداء الدور المطلوب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي