روسيا ترى أفقا واسعا للتعاون مع السعودية في مشاريع النفط والغاز

روسيا ترى أفقا واسعا للتعاون مع السعودية في مشاريع النفط والغاز

تعود بداية العلاقات بين المملكة العربية السعودية وروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقاً) إلى 1924؛ حيث كان الاتحاد السوفياتي في الحقيقة، أول دولة تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع المملكة، وكان ذلك في عام 1932، الذي تخللته أيضاً زيارة إلى موسكو قام بها الأمير فيصل الذي أصبح عاهلاً للمملكة فيما بعد في 1964. لكن العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وموسكو انقطعت في 1938.
وأعيد استئناف تلك العلاقات بين البلدين في نهاية الأمر في أيلول (سبتمبر) 1990، في ذروة التوتّرات التي حصلت في منطقة الخليج في أعقاب احتلال العراق الكويت في آب (أغسطس) من تلك السنة. وكان ولي العهد الأمير عبد الله، بزيارته لموسكو في أيلول (سبتمبر) 2003، أرفع مسؤول سعودي يزور روسيا منذ 1932. وأصبح الرئيس بوتين في شباط (فبراير) 2007، أول رئيس روسي يقوم بزيارة إلى المملكة العربية السعودية.

توطيد العلاقات التجارية

لم تكن هناك أي تجارة عملياً بين روسيا والمملكة قبل تسعينيات القرن الماضي. ولم نشهد أي تجارة مهمة بين البلدين إلا منذ منتصف التسعينيات. ووصل حجم صادرات روسيا إلى المملكة في 1997 إلى 419 مليون ريال سعودي (112 مليون دولار أمريكي)، لتكون بذلك في المرتبة الرابعة والثلاثين من بين أكبر الدول المصدرة للمملكة. ومع حلول عام 2006، تقدم ترتيب روسيا لتصبح في المرتبة الرابعة والعشرين – إذ بلغ إجمالي حجم صادراتها إلى المملكة 2.6 مليار ريال سعودي (693 مليون دولار أمريكي)، أي بنسبة زيادة تصل إلى 533 في المائة.
كما شهد العامان الأخيران (2005 و2006) أفضل نشاط تجاري في تاريخ نمو العلاقات التجارية السعودية – الروسية. فبعد أن كان حجم الصادرات الروسية إلى المملكة خلال 2004 بحدود 990 مليون ريال (237 مليون دولار) - قفز هذا الرقم بنسبة 51 في المائة في 2005 ليصل إلى 1.5 مليار ريال سعودي (400 مليون دولار)، وبنسبة 77 في المائة أخرى في 2006. ونتوقع أن يصل حجم واردات المملكة من روسيا في 2007 إلى 3.1 مليار ريال سعودي (826 مليون دولار).
وشكل محصول الشعير وبعض المنتجات المعدنية أهم صادرات روسيا الرئيسية إلى المملكة. وتعد المملكة من أكبر الدول المستهلكة للشعير في العالم، فقد استوردت في 2006 ما مجموعه 7.5 مليون طن، بلغ ثمنها 4.5 مليار ريال سعودي (1.2 مليار دولار أمريكي). وتتصدر أوكرانيا في الحقيقة، قائمة أكبر الدول المصدّرة للشعير إلى المملكة، مغطية 39 في المائة من احتياجات السوق السعودي (2006)، تليها أستراليا التي تغطي 33 في المائة من السوق ثم روسيا التي تؤمن 9.2 في المائة منه، وتستهلك الماشية 78 في المائة من إجمالي استهلاك الشعير في المملكة، حيث تأتي الأغنام في الصدارة ثم تليها الإبل.
ورغم أن الشعير والمنتجات الحديدية المختلفة شكلت تقريباً غالبية الصادرات الروسية الرئيسية، إلا أن عام 2006 شهد تحولاً في طبيعة تلك الصادرات، إذ باتت قضبان النحاس الخالص – التي تستعمل في العديد من تطبيقات الهندسة الكهربائية - المادة الوحيدة التي تستوردها المملكة بكثرة من روسيا. وبلغ حجم تلك التجارة 747 مليون ريال سعودي (199 مليون دولار أمريكي) من القضبان النحاسية، إضافة إلى منتجات نحاسية ومنتجات حديدية أخرى شبه جاهزة. واستوردت المملكة في 2006 ما مجموعه 1.1 مليار ريال سعودي ( 293 مليون دولار أمريكي) من منتجات الحديد والفولاذ شبه الجاهزة – وكانت تركيا وأوكرانيا أكبر المصدّرين الرئيسيين لهذه المنتجات.
ولم تكن أوروبا الشرقية ذات يوم مصدراً تقليدياً رئيسياً للواردات السعودية - على عكس دول أخرى كسورية ومصر وليبيا. لكن حجم واردات المملكة منها أخذ ينمو منذ 2001، ليس بما يتماشى مع نمو المملكة الاقتصادي فحسب، وإنما كنتيجة لتحسين نوعية المنتجات والخدمات وتكلفتها المنخفضة (أجور العمالة بشكل رئيسي) في أوروبا الشرقية. وقد زاد حجم الواردات من المنطقة (بما فيها بعض الدول الـ 25 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي) بنسبة 94 في المائة خلال السنتين الماضيتين. مثال على ذلك، يتم تصنيع ما يقرب من ثلث أجهزة الهاتف النقال التي تستوردها المملكة في هنغاريا.
لو انتقلنا إلى الجانب الآخر من المعادلة التجارية لوجدنا أن المملكة العربية السعودية لم تصدر تاريخياً إلا القليل القليل إلى روسيا، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى ضعف العلاقات الدبلوماسية بينهما خلال سنوات وجود الاتحاد السوفياتي السابق. كما أن حجم الصادرات السعودية إلى أوروبا الشرقية بشكل عام لم يكن ذا قيمة تُذكر على الإطلاق، إذ كانت تلك الدول تلبي احتياجاتها من النفط من الاتحاد السوفياتي، وبدأت منذ التسعينيات، باستيراد النفط والمنتجات ذات العلاقة من روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى.
إلا أن الصادرات السعودية إلى روسيا شهدت تحسناً ملحوظاً منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، ولو أنها بدأت من الصفر تقريباً. وبالكاد وصل حجم الصادرات السعودية في 2002 إلى 25 مليون ريال سعودي (6.6 مليون دولار أمريكي)- ليرتفع بعدها إلى 46 مليون ريال سعودي (12.2مليون دولار) في 2005. وحلت روسيا في المرتبة السادسة والسبعين من بين أكبر الدول المستلمة للصادرات السعودية في 2006، بعد أن كانت في المرتبة الـ 106 في 1997. وتتضمن قائمة الصادرات السعودية الرئيسية حالياً مواد الطلاء والعنب الطازج والهياكل الحديدية التي تستعمل في صناعة بناء السفن.

الاستثمارات في قطاع الطاقة

"يبدو للمراقب أنّنا بلدان متنافسان. لكن لو أخذنا في اعتباراتنا الطلب العالمي المتزايد على الطاقة، فإن ذلك ليس صحيحاً؛ فروسيا والمملكة العربية السعودية هما أكبر منتجين ومصدّرين للطاقة في العالم – ومن السهل علينا هنا، أن نجد كثيراً من القواسم المشتركة بيننا".
كانت هذه كلمات الرّئيس الروسي بوتين، أثناء زيارته إلى المملكة.
1 - تحتفظ روسيا والمملكة سوياً بربع إنتاج النفط في العالم (بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال). وتنتج روسيا أحيانا كميات أكبر من النفط من المملكة، كما حدث في بعض المناسبات خلال 2006. كما كانت كل من المملكة وروسيا في تلك السنة، الأولى بـ 357 مليار ريال ( 95 مليار دولار) والثانية بـ 360 مليار ريال (96 مليار دولار)، من بين أكبر خمسة دول في العالم لديها فائض مالي.
وتحتفظ روسيا، طبقا لوكالة معلومات الطاقة بأكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، وثاني أكبر احتياطي من الفحم الحجري، وثامن أكبر احتياطي من النفط الخام.
وساهمت روسيا في 2006، بصفتها أكبر منتج للنفط في أوروبا وآسيا الأوروبية، بـ 12.3 في المائة من إجمالي إنتاج النفط في العالم. أما في منطقة الشرق الأوسط، فإن المملكة العربية السعودية هي أكبر منتج للنفط، إذ وفرت 13.1 في المائة من إنتاج النفط العالمي في 2006. وكانت روسيا في السنة نفسها، وحسب وكالة الطاقة الدولية أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، بتوفيرها 21.8 في المائة من الإنتاج العالمي، وأكبر مصدر للغاز الطبيعي أيضاً، بمساهمتها بـ 24 في المائة من السوق العالمية.
وتمكنت المملكة العربية السعودية وروسيا، نتيجة للتحسن الكبير الذي طرأ على أسعار النفط العالمية، من تخزين كميات رسمية هائلة من النقد الأجنبي. ولغاية تشرين الأول (أكتوبر) 2007، بلغت الأصول المشتركة من النقد الأجنبي للبنكين المركزيين السعودي والروسي 2.5 تريليون ريال سعودي (691 مليار دولار أمريكي). وقامت روسيا في 2004، بإنشاء صندوق لتثبيت عملتها، ويتم استثماره في الخارج فقط لغرض منع الضغوط التضخّمية العالية. وبلغ رأسمال الصندوق في تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، نحو 551 مليار ريال سعودي ( 147 مليار دولار) – بزيادة بلغت 80 في المائة عن آب (أغسطس) 2006.
وحظيت الاستثمارات الروسية في المملكة العربية السعودية بأهمية كبيرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. فقد فازت شركة لوك أويل LUK Oil ( لوك أويل العربية السعودية) بعرض لتطوير "المنطقة أ" التي تبلغ مساحتها 11200 ميل مربّع في حقل الغاز الطبيعي في منطقة الربع الخالي، ووقّعت عقداً مع المملكة العربية السعودية مدته 40 سنة لعمليات الاستكشاف والتطوير في الحقل. وتمتلك شركة لوك أويل أوفرسيز 80 في المائة من شركة لوك أويل العربية السعودية، والحصة الباقية تمتلكها شركة أرامكو السعودية.
2 - من المتوقع أن يكون للصندوق في 2008 حافظتا استثمار: الأولى لاستثمار المحافظ عندما تهبط عائدات النفط والغاز، والثانية للاستثمارات الجشعة ذات الخطورة الأعلى. (وحسب التقارير الصحفية، فإنه سيتم تخصيص مبلغ 19 مليار دولار أمريكي مبدئياً للمحفظة الثانية).
في هذه الأثناء، قامت شركة ستروترانسغاز ، الذراع الهندسية لشركة الغاز الروسية الحكومية غازبروم ، بإطلاق مشروع مشترك مع شركة الإنشاءات السعودية أوجيه لتقديم عروض لمشاريع مع شركة أرامكو السعودية. وتحتفظ شركة غازبروم نفسها بربع الاحتياطي المعروف من الغاز الطبيعي في العالم، بحصة تصل إلى 16 في المائة من الناتج العالمي، وتقوم بتوفير 25 في المائة من احتياجات الاتحاد الأوروبي عن طريق أوكرانيا وروسيا البيضاء.
وتبشر مثل هذه المبادرات المشتركة بالخير لمستقبل العلاقات التجارية السعودية الروسية - وربما تؤكّد نظرة الرّئيس بوتين على أن ما يجب أن يميز مستقبل العلاقات بينهما هو التعاون، وليس المنافسة.
تشارك شركة ستروترانسغاز أيضاً في بناء القسم السوري من خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي يمتد عبر مصر والأردن وسورية، والذي يتوقع له في نهاية الأمر أن ينقل الغاز المصري عبر هذه البلدان إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا.

الأكثر قراءة