السوق المشتركة حقيقة أم حلم؟
دعا إمام وخطيب المسجد الحرام الدكتور سعود الشريم في خطبة الجمعة قبل أيام إلى إقامة سوق إسلامية مشتركة, ولا ريب أن هذه الدعوة تتطلع إليها نفس كل مسلم غيور على أمته, ولاسيما في ظل هذا العصر, عصر التكتلات, أعني: التكتلات السياسية, والاقتصادية, والعسكرية, وها هو الاتحاد الأوربي قد نجح منذ سنين في تشكيل تكتل سياسي واقتصادي كبير, وذلك عبر اتحاده السياسي الأوروبي, وتحالفه الاقتصادي؛ من خلال توحيد العملة, وسهولة التنقل بين دول الاتحاد..., وهكذا تكتل الاتحاد الإفريقي بصورة متواضعة... إلخ, والدعوة إلى إقامة سوق إسلامية مشتركة, هي دعوة قديمة, لم تتحول حتى اليوم إلى واقع, وأعتقد أن إقامة هذه السوق أقرب إلى الخيال منه بالواقع في ظل الظروف السياسية والاقتصادية القائمة, ولا سيما ودول العالم الإسلامي تعيش تفاوتاً كبيراً في كل المجالات المختلفة, فدول إسلامية تنعم بثروات هائلة, وأخرى لا تملك إلا الفتات, ودول إسلامية تتمتع بحالة سياسية مستقرة, وأخرى تعيش تحت خط النار, أو في أوضاع أمنية متردية..., إلا أن هذا لا يعني استحالة تطبيق فكرة السوق الإسلامية المشتركة, ولكن يجب أن تعمل الدول الخليجية في خطين متوازيين:
الخط الأول: عبر إنجاح السوق الخليجية المشتركة, وتفعيلها, وحتى تعيش هذه السوق نبض الشارع الخليجي فإنه لا بد أن تلامس هموم المواطن الخليجي, وأن تكون بلسماً شافياً لمشكلاته, ومحققة لآماله وتطلعاته, فلا يصح أن تكون هذه السوق متنفساً لرجال الأعمال, وحسب, وهم الشريحة الأقل في المجتمع, بل يجب أن تكون متنفساً للجميع- وعلى رأسهم محدودو الدخل ومتوسطوه, والذين يشكلون القطاع العريض في المجتمع- وذلك من خلال وضع خطة استراتيجية, واضحة المعالم, وممكنة التطبيق, تراعي معالجة المشكلات الاقتصادية التي يعانيها مجتمعنا الخليجي ككل, ومنها على سبيل المثال, لا الحصر:
1- أن تسهم السوق الخليجية المشتركة في حل مشكلة البطالة.
2- أن تسهم السوق الخليجية المشتركة في حل مشكلة الفقر.
3- أن تسهم السوق الخليجية المشتركة في حل مشكلة التضخم.
4- أن تسهم السوق الخليجية المشتركة في تعزيز المنافسة الحرة.
5- أن تسهم السوق الخليجية المشتركة في تنويع مصادر الدخل.. وهكذا في أمثلة كثيرة.
وقبل هذا, وبعده, أن تكون هناك أرضية اقتصادية مشتركة, أو بعبارة أخرى: أن تكون هناك ثوابت خليجية مشتركة, لا تقبل النقاش, ومن ذلك أن تتفق هذه الدول المعنية على عدم تخطي بعض الخطوط الحمراء التي ربما تكون سبباً في إفشال مثل هذه السوق, ومن ذلك مثلاً: ألا يسمح لأي دولة خليجية بإجراء اتفاقيات اقتصادية منفردة مع دولة أجنبية, بمعزل عن باقي دول الخليج, وأن تكون مثل هذه الممارسات خطوطا حمراء لا يجوز تخطيها, ولا تجاوزها, حتى تكون هذه الدول كالجسد الواحد, وتتهشم على صخرة وحدتها واعتصامها بحبل الله عز وجل كل مخطط يراد منه إفشال هذه الوحدة, وبهذا يمكن أن يكتب النجاح لهذه السوق المشتركة, وأن تكون محققة لطموح الخليجيين, كما يمكن أن تكون هذه السوق الخليجية نواة لسوق عربية مشتركة, وأن تكون السوق العربية نواة لسوق إسلامية مشتركة, بإذن الله تعالى, وفي تقديري أنه لا يمكن أن يكتب النجاح لهذه الأسواق المشتركة ما لم يقض على الفساد المالي في الدوائر الحكومية, وما لم تراع التدرج في خططها, لتقترب من الواقعية, وتنأى بنفسها عن القفز فوق المراحل المتقدمة, أو البعيدة المدى, وهذه النقطة الأخيرة تقودنا إلى الخط الآتي.
الخط الثاني: أن تعمل الدول الخليجية على تأسيس سوق إسلامية مشتركة عبر منظمة المؤتمر الإسلامي, بحيث تطبخ على نار هادئة, من خلال إعادة تفعيل دور البنك الإسلامي للتنمية لإنشاء هذه السوق, عبر خطوات بطيئة وقوية المفعول, وخطط استراتيجية واقعية, ممكنة التطبيق, ولو على المدى البعيد, وذلك برسم الخطط, ومراعاة التدرج, وسياسة خطوة خطوة, وتفعيل دور مؤسسات البنك التابعة له, واستكتاب رأي الخبراء والاقتصاديين الإسلاميين حول هذا الموضوع, وما يمكن اتخاذه من خطوات فاعلة في هذا الشأن, ويمكن أن تكون فكرة السوق الإسلامية المشتركة نواة لإعادة تصحيح العديد من المشكلات الواقعة في اقتصاديات العالم الإسلامي, وقد أشار قرار مجمع الفقه الإسلامي إلى هذا الموضوع صراحة, وإلى أهمية إقامة سوق إسلامية مشتركة, كما جاء في توصيات الدورة الرابعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي, والمنعقد في مدينة جدة, بتاريخ 18 إلى 23/6/1408هـ, حيث جاء في التوصية (ز) ما نصه: "يوصي- أي مجلس المجمع- بإقامة اقتصاد إسلامي, لا شرقي ولا غربي, بل اقتصاد إسلامي خالص, مع إقامة سوق إسلامية مشتركة, يتعاون فيها المسلمون على الإنتاج وتسويقه, دون الحاجة إلى غيرهم؛ لأن الاقتصاد ركن مهم من أركان قيام المجتمعات, وتكامله سبيل للوحدة بين شعوب الأمة الإسلامية"أهـ, وهذه التوصية كنحوها من التوصيات التي صدرت من مجمع الفقه الإسلامي, وطواها الكتمان, أو طمرها النسيان, وأصبحت في خبر كان!! وكلنا أمل أن ينفض الغبار عن هذه التوصية؛ ليتحول الحلم إلى حقيقة, ويصبح الخيال واقعاً محسوساً, بإذن الله تعالى, والله من وراء القصد.