رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الكويت.. بين استحقاقات الديمقراطية والاقتصاد الريعي

[email protected]

تقف الكويت اليوم بين حالة مالية (ليست اقتصادية) مريحة جدا، حيث إن المال وفير وأسعار النفط في مستوى غير متوقع منذ سنوات قليلة، وبين حالة برلمانية سياسية تكاد لا تهدأ. جميع خيارات الكويت السياسية تقع في ثنايا هذه الوضعية. هذه الثنائية تشكل حالة مزعجة لكل المهتمين بالشأن الكويتي داخليا وخارجيا، هذا المجتمع الصغير سكانيا والواعي ثقافيا والمليء ماليا لا يكاد يهدأ من زوبعة حتى يدخل في أخرى، تكبر هذه الزوبعات لتصل إلى حل البرلمان وتغيير الحكومة مرات، وإلى سيل من عدم الثقة بهذا الوزير أو ذاك مرات أخرى. لب الإشكالية يأتي من الطبيعة التوزيعية للدخل ودور السياسة في الحصة من القرص. النشطاء سياسياً سواء داخل الحكومة أو البرلمان يحاولون الحصول على حصة طيبة وهذه الحصة قد تتنافى مع استحقاقات الديمقراطية في المكاشفة والشفافية. وهذا هو مصدر ضعف الاستقرار البرلماني في بلد ليس ذا اقتصاد عميق ومنتج وضريبي، حيث ليس هناك من ترابط بين الفعاليات الاقتصادية في البلاد. لذلك فإن المهارة السياسية مصدر رزق طيب لمن أجاد هذه اللعبة. ولكن كما هي العادة ليست الأمور كلها بهذه الدرجة من التبسيط ولذلك فإنه لا يمكن الحديث العادل عن الكويت دون إبراز الدور الثقافي والمهارة الخطابية والأسبقية في تحديث الأنظمة السياسية والاجتماعية، ولفهم هذه التركيبة لا بد من العودة إلى تاريخ الكويت الحديث.
استطاع المرحوم الشيخ عبد الله السالم الصباح إيجاد نموذج كويتي خاص لا تزال الكويت تقطف ثماره من ناحية، ولكنها تلامس حدود هذا الإنجاز مع تقدم الزمن. استطاع هذا الحاكم المستنير الوثب بالكويت في نواح كثيرة دستوريا وثقافيا وتعليميا، فمن منا لم يبدأ بمجلتي "العربي" و"النهضة" ومسرحيات سعد الفرج ويستمع إلى البرامج الكويتية، استطاع ذلك من خلال استقطاب اللامعين عربيا أمثال أحمد زكي وزكي طليمات وغيرهما. وبذلك أوجد قاعدة صلبة استطاع جيل من الكويتيين التعلم والبناء عليها. ولكن هذا الجيل استهلك ذلك الرصيد وقطع المسافات حتى وصلت وسائل أخرى ودول أخرى مجاورة لم يستطع النموذج الكويتي الحالي استيعابها. ما تم إنجازه كان كبيرا ولكنه استهلك رصيده حيث اكتشف بعض الجيران أن بإمكانهم عمل خطوات أكثر حداثة، وصاحبت ذلك التحدي من الخارج رغبة جامحة في السياسة دون أي تطور اقتصادي يُذكر مما شلّ الحركتين الثقافية والاقتصادية وأصبح الأهم في الكويت المال من خلال العلاقات السياسية، حتى وصلت هذه إلى قمتها من خلال أزمة سوق المناخ، هذه الأزمة سممت المناخ الاجتماعي والسياسي في الكويت. فقدان الإصلاحات الجذرية في الاقتصاد سوف يساهم في استمرار الكويت على هذا النموذج المستقر حاليا (بسبب أوضاع النفط وقلة السكان) وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
لعل من قائل بقدر من الموضوعية أنك تطلب من الكويتيين العمل الشاق ذهنيا وجسديا بينما الإمكانات المالية متوافرة وموزعة على درجة معقولة من المحاصصة، وأن في ذلك مثالية غير مقبولة. في ذلك تشابه كبير مع العديد من الدول النفطية، ولكن الكويت تميزت بأخذ خطوات نحو الانفتاح الثقافي والتطور السياسي، وهذه التطورات بدأت بالوصول إلى الاحتكاك مع مساحات هذا النموذج. خاصية أخرى حول الكويت أن الجغرافيا لم تخدم الكويت، فالجيران هم أكبر سكانيا وجغرافيا، وبعضهم لم يكن في حالة رضا عن الكويت. الجار الوحيد الوفي تاريخيا وحاليا هو المملكة.
هذه الصعوبات ليس سببها طبيعة الناس أو حتى الطبقة الحاكمة بقدر ما هي الظروف الموضوعية؛ من المرجح أن تستمر هذه الظروف حتى تتغير اقتصاديات النفط أو أن يحدث اختراق جديد اجتماعي لتغيير هذه النماذج، لدى الكويت مواهب قادرة على كسر هذه الحواجز والبناء الصحي والتخلص من السياسة كمصدر للرزق للكثير من أعضاء النخبة. ولعل الكويت تكون سباقة في هذا المضمار كما كانت سابقا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي