سعر صرف الريال

سعر صرف الريال

كتبت قبل هذه المقالة عن سعر الصرف بحكم تخصصي، وأدليت بدلوي بتأييد استمرار ربط الريال بالدولار لعدة عوامل ذكرتها في حينها، ولا أود أن أكررها على القارئ الكريم، ومن أهمها كون المملكة تتحصل على معظم دخلها من بيع النفط المسعر بالدولار، وكون هذه العملة قادرة على استيعاب المبالغ الكبيرة دون قيود على صرفها أو تبادلها مع دول العالم الأخرى التي لا تزال تحتفظ بكميات كبيرة منها كاحتياطيات رسمية.
ومن المعروف أن أي عملية إنما تستمد قوتها وقبولها من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها ويدعمها بالسلع والمنتجات الجيدة والقيمة ومدى قدرتها الشرائية على الحصول على سلة من البضائع الصناعية والتجارية، وحيث إن اقتصاد الولايات المتحدة قوي ومتنوع وينتج كثيرا من السلع والخدمات، فهو أكبر اقتصاد صناعي وأكبر اقتصاد زراعي، ولديه ريادة صناعية في كثير من الجوانب سواء الطائرات أو السيارات أو غيرهما من السلع الاستراتيجية ليس أقلها الريادة في اقتصاد المعلومات والخدمات والإعلام والسينما وغيرهما، لذلك أصبح الدولار الأمريكي مرغوبا في العالم أجمع ليس فقط كوسيلة دفع وشراء، بل أيضا مستودع للقيمة وهي إحدى وظائف النقد.
كان الدولار الأمريكي بعد الحرب العالمية سيد العملات وحسب اتفاقية "برتون وودز" التي أنشئ بموجبها صندوق النقد الدولي للحفاظ على الاستقرار المالي، وكذلك البنك الدولي لمساعدة الدول بالقروض التنموية والمساعدات الفنية وتمويل المشاريع، هذه الاتفاقية تم بموجبها ربط سعر العملات بكمية محددة من الذهب، وأصبح سعر العملات مقابل بعضها يتحدد بنسبة محتواها أو قيمتها من هذا المعدن، إلا أن نمو التجارة الكبير بعد الحرب العالمية الثانية وعدم نمو كمية الذهب أديا إلى اختلالات كبيرة في التجارة والصناعة في الاقتصادات الغربية خصوصا أن الولايات المتحدة لم تعد تملك في Fort Knox، وهو مخزن الذهب العالمي لديها ما يكفي من الذهب لدعم عملتها الوطنية، بل أدهى من ذلك أصبحت تستفيد من طبع ورق ليس لديه غطاء من الذهب وتجني أموالا كبيرة من الحق السيادي في طبع العملة Seniorage على حساب الدول والأفراد الذين يحتفظون بالدولار ويعطون السلطات النقدية الأمريكية سلعا وخدمات مقابل عملتهم الوطنية.
هذه الضغوط أجبرت الولايات المتحدة على إلغاء ربط الدولار بالذهب من قبل الرئيس نيكسون في بداية السبعينيات الميلادية بعد جدال شديد مع حلفائه، خصوصا فرنسا، وتم تعويم الدولار لتكون قيمته مستمدة أساسا ومعتمدة على الاقتصاد الأمريكي القوي، وليس على محتوى من المادة اللامعة التي قلل الأمريكيون من أهميتها، وسارت الدول الغربية على هذا المنوال في تقويم عملاتها، مما جعل الاضطراب في أسعار العملات من سمات الاقتصاد الحديث وتقلب أسعارها، نظرا لتقلب الاقتصاد المعني من النمو إلى الركود، والميزان التجاري من القوة والضعف، وسعر الفائدة من الانخفاض إلى الارتفاع.
وحديثا أصبح اقتصاد الولايات المتحدة مرتبطا أكثر بالاقتصاد العالمي من خلال العولمة يؤثر ويتأثر بها وتشكل نسبة التجارة الخارجية فيه أكثر من 20 في المائة.
بعد أن كان الاقتصاد الأمريكي لا يعتمد على التجارة كثيرا بعكس الدول الأوروبية التي كانت التجارة والتبادل التجاري يشكل 80 في المائة من اقتصاداتها الوطنية.
لقد ربطت العولمة اقتصادات الدول الصناعية والنامية، وأصبحت تلك الاقتصادات تؤثر وتتأثر بالتقلبات الاقتصادية العالمية بقدر قوة اقتصادها ونسبة مشاركتها في التجارة الدولية، وبالتالي قوة عملتها المستمدة من ذلك، وأصبح اقتصاد الولايات المتحدة المحرك للنمو الاقتصادي العالمي وسوقا رائجة للتجارة العالمية ومستهلكا رئيسا للسلع والخدمات التي تنتجها الدول الأخرى، ومزودا لها بالسلع الصناعية والاستهلاكية أيضا وعملته أساسية في التجارة، وفي السنوات الأخيرة نظرا لنمو اقتصادات الدول الأخرى ومزاحمتها للاقتصاد الأمريكي وتوسيع أدوار الولايات المتحدة الاقتصادي والسياسي والمالي، مع عدم قدرتها على المنافسة أصبح لديها عجز في الميزانية وديون خارجية كبيرة وخلل في الميزان التجاري، وعجز مستمر ومتنامي في ميزان المدفوعات، ما أثر بدوره في عملتها ولم يكن ذلك كله مضرا لها، حيث رأت في ضعف الدولار الأمريكي فرصة لتحسين ميزانها التجاري ووضعها المالي وتحسين منافسة تجارتها مع غيرها من الدول الصناعية، ولم يكن ذلك أيضا دون رضا دول الاتحاد الأوروبي، ومع أنها رأت في ضعف الدولار منافسة غير مشروعة، لكنها رأت أنها تستفيد من قوة عملتها أكثر مما تتضرر لنمو تجارتها البينية، خصوصا أن فاتورة مشترياتها من النفط ستكون لا شك أقل نظرا لضعف الدولار، وكذلك قبلت به الصين واليابان وغيرهما من الدول المستهلكة للنفط.
بعد هذا الاستعراض الاقتصادي لإعطاء القارئ الكريم فكرة مبسطة عن الموضوع، أعود إلى موضوع ربط الريال بالدولار وسعره، حيث إن ما تنتجه المملكة ودول الخليج من سلع صناعية وتجارية وخدمات محدودة جدا، وأن معظم إن لم يكن مجموع ما تنتجه هو النفط والغاز فلا بد من ربط عملتها بعملة عالمية مقبولة، حيث لا يمكن تعويم العملة لما فيه من مخاطر، كما أن ربطها بسلة عملات يتطلب متابعة دقيقة وتعديلات مستمرة حتى لا يحقق المضاربون منافع كبيرة على حساب العملة الوطنية، وقد جربت المملكة ودول الخليج ذلك سابقا ولم يستمر كثيرا.
من الواضح أنه ليس لدى المملكة ودول الخليج خيار سوى ربط عملاتها بسلة عملات أو بعملة عالمية، إلا أن لديها خيارا ثالثا لتعديل سعر صرف عملاتها بما يحقق رفاهية لشعوبها التي تعتمد كثيرا على الاستيراد، والتي تتطلع إلى المشاركة بمكاسب الثروة النفطية الجديدة، وذلك بأن تقوم المملكة ودول الخليج بتغيير سعر الربط، بحيث يكون الدولار يساوي أقل من العملة الوطنية ورفع قيمة الريال وعملات دول الخليج مع إبقائها مرتبطة بالدولار للأسباب المذكورة أعلاه، وقد جربت المملكة ذلك في السابق، حيث ارتفع سعر الريال من 4.50 ريال للدولار في الخمسينيات إلى 3.75 في بداية السبعينيات الميلادية، ثم ارتفع لمدة بسيطة في الثمانينيات إلى 3.25 ريال، ثم عاد إلى سعره الحالي واقترح أن يعود مرة أخرى إلى 3.25 ريال كحل للهبوط الكبير في قيمة الدولار، وتعويضا للمستهلك الوطني عن هذا الانخفاض ورفع لقيمة المدخرات الوطنية وتضحية بسيطة من القطاع العام للقطاع الخاص، لأن أي تعديل في سعر العملة هو زيادة أو نقص من طرف لآخر في المنظومة الاقتصادية ولن يضر هذا كثيرا بالصناعة والتصدير في المملكة، لأن اقتصاد المملكة مفتوح ولدينا ميزة نسبية في كثير من الصادرات، ومن يعارض بناء على هذه الحجة الواهية يعتقد أننا الصين الثانية أو الهند التي تغرق العالم بصناعتها، لأن صادرات المملكة محدودة وكفاءتها وقوتها أكبر من أن يؤثر فيها مثل هذا الرفع البسيط، كما أنه أفضل من زيادة الرواتب وأكثر عدلا من ناحية التوزيع وليس المساواة، لأن أصحاب الرساميل الكبيرة سيستفيدون أكثر، ولكن الفوائد في نظري هي أكبر من المساوئ، لأنه سيشجع أصحاب الرساميل على العودة والاستثمار المحلي، كما سيزيد من قيمة جاذبية الاستثمارات الأجنبية الموجودة حاليا، حيث إن تقييمها سيكون أعلى، أما الضرر على الميزانية العامة من نقص مبالغ وكمية الدخل الخارجي عند تحويلها إلى الريال فسيعوض عنه ارتفاع القيمة الحقيقية للريال ولو جزئيا، كما أن زيادة الاستيراد هي قوة للاقتصاد السعودي، لأن الميزان التجاري السعودي جيد في حالة فائض كبير ومستمر منذ مدة طويلة، ومعظم المستوردات في الاقتصادات النامية مثل المملكة هي للمعدات والآلات التي تشكل أصولا ودعما للنمو الاقتصادي والثروة الوطنية.
والله الموفق

الأكثر قراءة