انهيار جسر بمدينة الدمام .. مشكلة فنية أم إدارية؟
مشاريع حكومية كبيرة تقام في مناطق شتى من السعودية يصل مستوى بعضها إلى العالمية والبعض الآخر بالكاد يحقق أدنى المعايير. هذا التفاوت الكبير بين مستويات المشاريع غالبا ما نلاحظه بين المشاريع الوطنية والمحلية. المشاريع الوطنية التي تتولاها وتقوم بتنفيذها الوزارات المركزية مباشرة مثل المطارات والطرق السريعة والجسور ومشاريع الحرمين الشريفين وغيرها كثير، تعتمد على معايير مهنية عالية ومتابعة دقيقة، وهي بذلك تصل إلى مستويات عالية من التنفيذ وتقديم خدمات متميزة تشكل محل اعتزاز وافتخار للمواطنين وزوار السعودية. وقد أثار انهيار جسر تحت الإنشاء في مدينة الدمام، ومن قبله تكرار مشكلات في أحد الأنفاق التي تم الانتهاء منها هذا العام، عدة تساؤلات تتضمن لماذا تقع هذه الأخطاء، وهل هذه أخطاء فنية صرفة أم أنها أخطاء إدارية؟ ومهما يكن الأمر فإن هناك علاقة وطيدة بين الأخطاء الفنية والإدارية، بل إن الأخطاء الفنية هي ظاهرة ومؤشر للأخطاء الإدارية. إذاً قد يكون من الأفضل إعادة صياغة السؤال على نحو: لماذا تقع الأخطاء الإدارية؟ الجواب عن هذا السؤال بسيط، وهو أنه لم يكن هناك تخطيط ومتابعة جيدة للمشاريع، وهذا يدعونا إلى البحث في عملية صنع القرار المحلي التي هي جوهر التنظيم الإداري. الواقع الإداري يقول ليس هناك هيئة محلية مستقلة ماليا وإداريا مسؤولة عن رعاية مصالح المجتمع المحلي. وأن الإدارة المحلية تعتمد على فروع الوزارات التي تتلقى تعليماتها وميزانياتها من الأجهزة المركزية. هذا الوضع يجعل القرار محصورا داخل البيروقراطيات دون أن يكون لسكان المدن مشاركة فاعلة في ذلك. إن وجود مجالس بلدية ومجالس محلية من الناحية الهيكلية والتنظيمية لا يعني عدم ضرورة صياغة نظام للإدارة المحلية يحدد الصلاحيات والأدوار ويحقق المشاركة الشعبية بشكل فاعل. المجالس والانتخابات البلدية شكلت بلا شك خطوة على الطريق الصحيح إلا أنها مع ذلك تظل تدور في فلك ضيق من الصلاحيات لا تتعدى كونها لجانا استشارية للبلديات لا ترتقي إلى مجالس تشريعية رقابية. وقد يفسر هذا الاختلافات التي تنشأ بين أعضاء بعض المجالس وحالة الإحباط التي تصيب بعضهم بسبب الضغوط التي تمارس عليهم من قبل سكان المدن في تحقيق متطلباتهم وهم لا يستطيعون لذلك سبيلا لعدم امتلاكهم الصلاحيات الكافية. وما يزيد من تعقيد الوضع الإداري هو أن المجالس البلدية مسؤولة فقط عن العمل البلدي بمفهومه الضيق بحيث لا يشمل جميع قطاعات المدينة، إضافة إلى تداخل الصلاحيات والأدوار بينها والمجالس المحلية وفروع الوزارات ومجلس المنطقة. هكذا إذاً يكون هناك تشرذم في عملية صنع القرار المحلي يقود في بعض الأحيان إلى تناقضات وتضارب بين سياسات الوحدات المحلية. إن عملية صنع القرار المحلي أكثر تعقيدا وتشابكا من القرارات الوطنية. فعلى الصعيد المحلي قرار إحدى الوحدات الإدارية يؤثر بالضرورة في قرارات الوحدات الأخرى وإذا لم يكن هناك تنسيق واستراتيجية موحدة في المدينة يكون هذا مدعاة إلى التناقضات والتأثيرات السلبية، بل الدخول في مناوشات بين البيروقراطيات في الحصول على أكبر قدر من المخصصات ورمي السلبيات على الجهات الأخرى والتنصل منها. إن تحديد المسؤولية أمر في غاية الأهمية ولن نستطيع إلى ذلك سبيلا دون وجود هيئة محلية تجتمع فيها جميع الصلاحيات وتكون مساءلة من قبل السكان عن أدائها والمتابعة والمحاسبة القانونية والسياسية من قبل الحكومة المركزية. إن إيجاد نظام للإدارة المحلية يحدد فيه الصلاحيات ويوحد صناعة القرار في هيئات محلية تحتمه المتغيرات الداخلية والخارجية. إن المشاريع المحلية يجب أن تكون مرتبطة بعملية التنمية المحلية وتؤدي في نهاية المطاف إلى تطوير الاقتصاد المحلي وتسهم في معالجة المشكلات المحلية مثل: الفقر، البطالة، المخدرات، والسطو المسلح. لقد بات من الضروري التحول من إنشاء المشاريع وتقديم الخدمات على أساس بيروقراطي إلى استيعاب الرأي العام المحلي والمطالب الحقيقية لسكان المدن. إن المدن هي أكثر من مستقرات عمرانية هي وحدات إدارية واقتصادية يجب السعي إلى تهيئة النظم الإدارية التي تساعدها في الوصول إلى مستوى من النضج في تحمل مسؤوليات قراراتها والقدرة على تطوير اقتصادها وتأهيله للمنافسة العالمية. وهذا لن يتأتى إلا من خلال توجيه المشاريع والخدمات كما ونوعا نحو التنمية المحلية. لم يعد بالإمكان الانزواء والانكفاء ودس الرؤوس في التراب وكأن شيئا لم يكن. هناك الكثير من المتغيرات التي يلزم إدراكها ومن ثم احتوائها بإحداث التغييرات المطلوبة. قد يبدو من غير المعقول ربط حادث في مشروع داخل مدينة بقصور التنظيمات المحلية، إلا أنه بنظرة فاحصة وتحليلية نجد أن القرار الإداري هو نتيجة لسلسلة من الخيارات المتراكمة والتداخلات بين عدة أطراف وأن هناك دائما نقطة بداية. إن موضوع الإدارة المحلية موضوع في غاية الأهمية ويتطلب دراسته ومناقشته والتحاور فيه حتى نخرج بتصورات جديدة ورؤى تطويرية وأفكار تنسجم مع الواقع، ولذا قد يكون من المهم إدراجه ضمن موضوعات الحوار الوطني.
إن كثيرا من المشكلات التي تعانيها المدن هي بسبب عدم تحديد المسؤولية وتفرقها بين العديد من الوحدات المحلية والاعتماد الكلي على التنظيمات البيروقراطية في عملية صنع القرار المحلي. وعندما نقول القرار المحلي نقصد التنفيذ وليس صناعته فما زال هناك مركزية شديدة، بحيث إن الإدارة المحلية تعني مركزية القرار ومحلية التنفيذ. إن المتغيرات التي تعصف بنا من كل حدب وصوب تمثل تحديا كبيرا وتتطلب أن نوجد لها معالجات ناجعة جوهرية وجذرية وليس التعامل معها شكليا. ولذا لا نستطيع أن نعالج المشكلات البيروقراطية بإنشاء بيروقراطيات أخرى والتعامل بمركزية شديدة دون أخذ التمايز المكاني بين المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية. المطلوب هيئات تشريعية محلية تمكن من صناعة القرار باستقلال مالي وإداري. إن من شأن ذلك تحديد المسؤولية والحرص ليس فقط على تنفيذ المشروعات بدقة ومهنية ولكن أيضا اختيار المشاريع والخدمات ذات الأولوية العالية. إن ما حدث من خطأ في مدينة الدمام يحدث في كل مدن العالم لكن الفرق في طبيعة السؤال الذي يطرح فنحن نسأل ماذا حدث؟ ونتوقف! وهم يسألون لماذا حدث؟ هذا لا يقلل من الجهود الجبارة التي تبذل ولا يشكك في النوايا الصادقة ولا يزايد على وطنية أحد، إلا أن المسالة لا تتعدى كونها ثقافة يجب تغييرها وإعادة ترتيب الأوراق والنظر إلى الأمور من منظور وطني بعيد المدى. التخلص من شرنقة البيروقراطية أمر غير سهل لأنها متجذرة في النظام الإداري، إلا أنه لا مفر من أجل الارتقاء والتطور ومواجهة التحديات في أن نوجد مؤسسات اجتماعية جيدة منتخبة على المستوى المناطقي والمحلي تكون قادرة على كبح جماح البيروقراطيات وتوجيهها لضمان مشاريع ناجحة وتنفيذها على مستوى مهني عال.