رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السعوديون يبحثون عن الحكمة من سنغافورة

[email protected]

يقول الحديث الشريف "الحكمة ضالة المؤمن". على مدى الأسبوع قبل الماضي سعدت بالاستماع إلى متحدثين من سنغافورة، الأول رئيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية الدكتور تشون فونغ شي في ندوة خريجي جامعة MIT الأمريكية حيث يقوم الأخ محمد بكر بجهود جليلة سنويا حيث يتخلل هذا الجمع محاضرة قيمة لعالم أو مسؤول. والثاني كان رئيس وزراء سنغافورة السابق السيد لي كوان يو بجهود من منتدى الرياض الاقتصادي.
يبحث السعوديون عن نموذج تجربة تنموية لعلهم يستطيعون الاستفادة منها، ولعل سنغافورة، تلك الجزيرة المعتمدة على الزراعة البدائية والموبوءة بالبعوض إلى قبل أربعة عقود، قد وصلت إلى مصاف الدول المتقدمة وصارت مثالا يحتذى به. الاستماع إلى هذه العقول النيرة والغنية بالتجربة الناجحة يبعث فينا نزعة تشوق ذهني وحراكا فكريا وحتى عاطفة عسى أن نستطيع ترجمتها إلى خطط عملية للوصول إلى تنمية مستدامة.
تحدث مدير الجامعة عن آفاق التعليم والبحث العلمي من عدة زوايا منها ما ذكر حول الحاجة إلى تفادي قانون الركون إلى الحالة الوسطية التي نتغنى بها دائما وكأنها الحل السحري وإذا بعالم وأكاديمي قضى أكثر من ثلاثين عاما في العلم والبحث في جامعتي هارفارد وبراون الأمريكيتين ثم نائبا للجامعة الوطنية في سنغافورة يقول لنا ببساطة: تفادوا الوسط في البحث عن التميز العلمي عملا وروحا. الآلية بسيطة فالمراهنة على الشخص المتوسط تحد من آفاق من هو أقل منه وتحبط من هو أكثر كفاءة منه، والنتيجة أن نعطل الجميع. البحث عن التميز إلى حد حافة العلم معرفة وبحثاً يوصلك إلى ترجمته إلى عمل مفيد، لذلك فالحل في البحث عن الأفضل وغيره يدخلنا في دائرة الوسط الضعيف دائما.
تحدث رئيس الوزراء عن شمولية العملية التنموية وهو الذي ذكر في حديث سابق أنه وبعض الاستراتيجيين في سنغافورة فكروا في كيفية "تمركز" سنغافورة هذه الجزيرة الصغيرة العديمة الموارد. اهتدوا إلى فكرة تحويل سنغافورة إلى مركز خدمي للتجارة والصناعة التحويلية الخفيفة تدريجيا. ومن ثم ارتقاء سلم القيمة المضافة حتى الوصول اليوم إلى الصناعات الجينية، بينما المملكة ليست في حاجة إلى "التمركز" – أي إيجاد موقع على الخريطة الاقتصادية العالمية – ليس هناك حاجة إلى البحث عن دور فالمملكة على الساحة من خلال الصناعة النفطية والحرمين الشريفين ويتوافر لدى المملكة المال والطاقات البشرية ووسائل التقنية وما ينقصنا هو الرؤية والخطط العملية والمساءلة الإدارية.
تمكن السيد لي وفريقه من الوصول إلى هذه المرحلة من خلال الجدية والانضباط والعدالة في تكافؤ الفرص للعامة في التعليم والقضاء والأرضية المتساوية للتجارة وسن الضرائب. لعل أحد أهم المنعطفات في حديثه هو تلكؤه حينما كان السؤال عن السعودة فمن يلومه؟ لقد كان حقا سؤالا غريبا على الطبيعة الجدية لمن يسعى للتنمية. فكما ذكر أن القوانين الاقتصادية واحدة وتعمل بالوتيرة نفسها في كل العالم، ولعل لسان حاله يقول: لماذا هناك حاجة إلى "سعودة"؟ هناك فرق كبير بين الحاجة إلى سعودة والحاجة إلى الاستعانة بأيد عاملة أجنبية على المستويات كافة.
وهنا درس لعدة وزارات ومصالح حكومية (خاصة العمل والتعليم والتعليم الفني).
استفاد الجميع من هذه الحكم والأحاديث عن تلك التجارب وسأل البعض أسئلة وجيهة ولكن يبقى السؤال الرئيس: متى تصبح التجربة التنموية السعودية مثالاً يحتذى به؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي