رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المهمة صعبة وليست مستحيلة.. يا معالي الوزير

[email protected]

لا شــك أن الأمر الملكي الذي وقعـه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في الأسبوع الماضي بتعيين معالي الأستاذ عبد الله أحمد زينل علي رضا وزيرا للتجارة والصناعة.. وجد ارتياحا واســعا في جميع الأوســاط الأهلية والتجارية.
ولا شك أن وزارة التجارة والصناعة كانت تمر بسلسلة من الأزمات تأتي على رأســها قضية الغلاء المســتفحل التي عجزت الوزارة عن مكافحته والحيلولة دون انتشاره أو استفحاله، والغريب أن الوزارة لم تعلن عن خطة واضحة وعملية لمحاربة الغلاء، الأكثر من هذا أن التصريحات التي صــدرت عن مستويات رفيعة في الوزارة كانت تقول بضرورة أن يتحمل المواطن مسؤولياته ويبتعد عن السلع غالية الثمن إلى السلع رخيصة الثمن، وما إلى ذلك من تصريحات تؤكد أن الوزارة لا تولي مسألة ارتفاعات الأسعار أهميــة كبيرة وأنه لا يعنيها أن تتخذ إجراءات صارمة لإيقاف ارتفاعات الأسعار التي أصـبحت تؤذي وتؤلم كل شرائح المجتمع.
ولذلك فإن الوزير الجديد عرف المطلوب منه فأدلى بتصريح عاجل وحاســم إلى صحيفة "الاقتصادية" قال فيه: إنه يحمل خطة لضبط الأسعار ومراقبتها ومواجهة تداعيات التضخم المرتبطة بالمستهلك وقال سأبذل جل جهدي سعيا لإرضاء ديني ومليكي ووطني وسأسعى ـ إن شاء الله ـ لتحقيق ثقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وطموحه ورغبته لراحة المواطنين وسأقدم خطة الوزارة خلال أسبوع.
وطالما أن الوزير عبد الله أحمد زينل قد عرف المهمة الرئيسة التي من أجلها يتقلد كرسي الوزارة، فإن التعامل مع أزمة الغلاء ســيكون المؤشـر الذي يرتفع بأدائه، أو ينخفض بأدائه، وعلى الصعيد الشخصي فقد شــرفت بحضور بعض اجتماعات الجمعيات العمومية مع معاليه، فكان كرمانة الميزان يوازن ويرجح كفة المسـتحقين، والوزير عبد الله أحمد زينل ينحدر من بيت عريق ومن أســرة ثرية وقوية ونافذة في المجتمع، عرفت بقدراتها العالية في حل المشكلات ونشر التفاهم والتراحم بين الناس، وبيت زينل من أشهر البيوت التجارية في شبه الجزيرة العربية بأسرها وهم من أوائل التجار الذين ارتبطوا بالتجارة شــرقا مع الهند وبلاد الســند، وغربا مع أوروبا والولايات المتحدة، كما يسـجل لبيت زينل أنهم أول وكلاء للسيارات في المملكة وأول من أدخل السيارة إلى المملكة كوسيلة من وسائل المواصلات، وإذا كانت التجارة هي التجربة الزاخرة في جعبة الوزير عبد الله زينل، فإن المطلوب من الوزير ليس تنمية التجارة، بل المطلوب منه بناء نموذج لحماية المســتهلك من غول الغلاء، والموضوع يبدو أنه ليس سهلا كما يتبدى للوهلة الأولى وليس ميسورا لأن التحديات الخارجية أكبر من التحديات الداخلية.
والواقع أن تعيين الوزير عبد الله أحمد زينل يذكرنا بتعيين عمه معالي الوزير محمد عبد الله علي رضا وزيرا لأول وزارة للتجارة في عام 1954 (11 رجب 1373هـ) ويومها أصدر الملك سعود ـ يرحمه الله ـ أمرا ملكيا بإنشاء وزارة التجارة وتوزير محمد رضا عليها. ولقد جاء تعيين الوزير محمد عبد الله رضا وزيرا للتجارة حينما بدأت أزمة انخفاض الريال وانعكاس ذلك سلبا على الأسعار، وكانت مهمة الوزير في ذلك التاريخ أن يعالج مشكلة الأسعار ووضع مؤشر للأسعار ومراقبة تطبيقه بكل دقة وحرفية، ولأن الوزير محمد رضا كان ابن الكار فإنه حقق نجاحا منقطع النظير، وهذا يعنى أن لبيت زينل تاريخا مشرفا مع وزارة التجارة وهو ما يجعل الأمل يحدونا في أن يحقق الوزير عبد الله زينل ما حققه عمه الوزير محمد رضا زينل قبل 56 عاما في كبح جماح الأسعار المجنونة.
إن مشكلة ارتفاعات الأسعار مشكلة شرسة ومتشعبة وتحتاج إلى برنامج، ويجب ــ في البداية ــ أن تمارس الوزارة سلطاتها لتفعيل الأنظمة خاصة لائحة الحوكمة التي تتضمن الشفافية والمساءلة والنزاهة وتقنين نظام المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وحماية المستهلك.
وليس من الضروري أن تنتظر الوزارة حتى تصلها شكوى الناس أو تنتظر إبلاغها عن المخالفات وحالات خرق قواعد الأسعار، وهناك العديد من السياسات التى يمكن إقرارها لمحاربة الغلاء منها ــ على سبيل المثال ــ قواعد تنظيم
تجارة الجملة والتجزئة وقطاع التوزيع والنقل والتخزين التي لا تزال تلعب دورا مؤثرا في ارتفاع الأسعار في الأسواق نتيجة لضعف تنظيمات هذا القطاع وكثرة الوساطات بين سلسلة من التجار والوكلاء، وإذا كثر التجار والوكلاء والوســطاء، فإن التكلفة ترتفع والأسعار تزيد وتتطاير في كل اتجاه، وبالتالي فإن تطوير وتحديث قطاع التجارة يمثل خطوة مهمة باتجاه مكافحة ارتفاعات الأسعار.
إن ارتفاعات أسعار النفط ستؤدي إلى ارتفاعات أسعار السلع والخدمات في كل أنحاء الدنيا، وإذا كانت أسعار النفط ستستمر في الارتفاع فإن أسعار السلع والخدمات سترتفع وتستمر في الارتفاع، ولذلك فإن نجاح الوزير في مهمة لجم جموح الأسعار ســتكون بحجم الوطن ومواطنيه.
ونحن نؤكد أنه كلما ارتفعت أسعار السلع والخدمات في السوق العالمية .. كلما استشاط التجار المحليون في أطماعهم وشرعوا في رفع الأسعار إلى مستويات أعلى.. حتى أخذت الأسعار شكل موجات تسونامي مستمر ومدمر تبدأ من المصنع ثم تقفز قفزتها الثانية عند تجار الجملة بذريعة ارتفاعها في المصدر، وفى المحطة الثالثة يبدأ تجار التجزئة فى رفع الأسعار بحجة أنها زادت ابتداء من المنتج الرئيس ثم تاجر الجملة، وفى المحطة الرابعة يقوم تجار القطاعي بإضافة الزيادة التي تتناسب مع طمعهم وجشعهم، والكل يزيد الأسعار على أساس الطمع والجشع وليس على أساس التكلفة الحقيقية.
وإذا كنا نأمل الكثير من الوزير فهذا لا يمنع أن ندلي بدلونا في اقتراح بعض آليات العلاج، ولعل أهمها أن يكون لدى مكاتب الوزارة قاعدة بيانات كاملة عن أسعار السلع والخدمات من المنتج حتى ســوق التجزئة المحلية، وبناء على هذه المعلومات الدقيقة يمكن وضع مؤشر عادل ومنصف للأسعار، ثم وضع رقابة صارمة ــ وهو الأهم ــ على تطبيق الأسعار الواردة في المؤشر.
أمَا المســألة المهمة الأخرى فهي أن تقوم وزارة التجارة مقام تجار بعض السلع الاســتراتيجية وتســتورد لحسابها كميات منها، ثم تنزل إلى الســوق بأســعار تنافسـية ليس الهدف منها ضرب التجار ولكن الهدف منها ضرب الاحتكار وتعزيز التنافســية في السوق وتطبيق قائمة أســعار تحقق التوازن بين الســعر المعقول والربح المعقول.
وفى النهاية إذا كانت الحكومة تنتظر نتائج أعمال ابنها الوزير، فإن الناس جميعا ينتظرون النتائج الكاملة لأعمال ابنهم الوزير ولـهم ــ في النهاية الرأي والحكم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي