رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ارتفاع الأسعار شمل معظم المواد الأولية ولم يقتصر على النفط

[email protected]

رفع النمو الاقتصادي القوي في الدول الناشئة، خصوصاً الصين والهند مستويات الطلب على المواد الأولية. وأدى ارتفاع الطلب القوي على المواد الأولية إلى ارتفاعات قوية في أسعار هذه المواد خلال السنوات القليلة الماضية. ولم يقتصر ارتفاع الأسعار على المعادن ومواد الطاقة الأخرى، بل إن ارتفاع الأسعار شمل معظم أسعار المواد الأولية والتي منها المواد الزراعية. ولم يكن ارتفاع الأسعار قاصراً على أسواق المملكة كما يتبادر لأذهان البعض، ولكنه شمل أرجاء المعمورة. ويقف وراء الارتفاع في الأسعار عدد من الأسباب التي أثرت في المستويات العالمية لأسعار هذه السلع. ولا يمنع وجود مسببات كونية لارتفاع الأسعار وجود أسباب محلية يمكن أن تسهم في تغير الأسعار. وتتأثر بعض السلع الزراعية كالخضار مثلاً بالظروف المحلية والإقليمية أكثر من غيرها.
ويمكن من خلال إلقاء نظرة سريعة على أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية في أسواق السلع العالمية ملاحظة الارتفاع الحاد في بعض أسعارها. وقد تم في هذا التقرير الاعتماد على بيانات البنك الدولي لمتوسط أسعار المواد الأولية الشهرية والسنوية. وتؤكد هذه البيانات ارتفاع أسعار المواد الأولية خلال الأعوام الماضية، كما تؤكدها مصادر الأسعار المحلية والعالمية كافة.

بيانات البنك الدولي

تتوافر بيانات الأسعار اليومية والآنية عن أسعار المواد الأولية ولكن يعيب بيانات الأسعار اليومية لأسواق السلع تأرجحها الشديد. وقد يشوّه استخدام بيانات يوم معين معدلات الأسعار خلال فترات طويلة من الزمن، ولهذا فإن استخدام المعدلات الشهرية أو السنوية للأسعار يعتبر أكثر دقةً في قياس تأثير ارتفاع الأسعار في تكاليف الإنتاج وتكاليف المعيشة. وتقاس مؤشرات أسعار المنتجين والمستهلكين خلال فترات زمنية لا تقل عن شهر. ويصدر البنك الدولي بيانات لمتوسطات أسعار السلع الشهرية والسنوية والأرقام القياسية للمجموعات الرئيسية المكونة لهذه السلع، وتغطي هذه البيانات عددا كبيرا من السلع كما تعكس تأثير الأسعار في الأرقام القياسية للمنتجين والمستهلكين بصورة أفضل من الأسعار اليومية.
وتشير بيانات البنك الدولي عن متوسطات الأسعار إلى حدوث ارتفاعات قوية للأرقام القياسية لأسعار المجموعات الرئيسية للسلع كما هو موضح في الجدول (1). فقد ارتفعت الأرقام القياسية لمجموعة السلع ماعدا الطاقة بنسبة 51.7 في المائة في تشرين الأول (أكتوبر) 2007م مقارنةً بمتوسط أسعارها في عام 2005م. ومن ضمن هذه السلع، ارتفعت الأرقام القياسية للسلع الزراعية في تشرين الأول (أكتوبر) 2007م بنسبة 37.3 في المائة، وارتفعت الأرقام القياسية لأسعار المعادن بنسبة 76.3 في المائة مقارنةً بمتوسط عام 2005م. وارتفعت الأرقام القياسية لأسعار الحبوب والشحوم والزيوت في تشرين الأول (أكتوبر) 2007م بنسبتي 60.9 في المائة، 59.8 في المائة على التوالي مقارنةً بالأرقام القياسية لتلك المواد في عام 2005م. ومن الجدير بالذكر أن أسعار المواد الأولية لبيانات البنك الدولي مقيمة بالدولار الأمريكي مما يجعلها مطابقة لتغيرات هذه الأسعار بالريال السعودي خلال فترة المقارنة.
من جهة أخرى، ارتفعت أسعار معظم السلع الأولية غير الزراعية كما هو وارد في جدول (2)، فأسعار النحاس، الذهب، المطاط، والخشب ارتفعت في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2007م بنسب 117.7 في المائة، 69.6 في المائة، 57 في المائة، 33.8 في المائة مقارنةً بمتوسطات أسعارها في عام 2005م. كما ارتفعت أسعار اليوريا، الألمنيوم، القطن، ولب الخشب أيضا للفترة نفسها. ويلاحظ من جدول (2) أن أسعار النفط الخام ارتفعت في تشرين الأول (أكتوبر) 2007م بنسبة 53.6 في المائة مقارنةً بمتوسط أسعاره في عام 2005م، وهذه النسبة ليست الأعلى بين أسعار المواد الأولية وإنما تتفوق عليها الزيادات التي طرأت على عدد من أسعار المواد الأولية الأخرى. فقد ارتفعت أسعار النحاس، الذهب، المطاط، الشاي، القمح، الذرة الصفراء، فول الصويا، الزيوت النباتية، والمعادن بدرجة أكبر من ارتفاع أسعار النفط. وحتى لو وصل متوسط أسعار النفط 100 دولار فإن هذا السعر يزيد بنسبة 86.5 في المائة عن متوسط عام 2005م، ولا تعتبر هذه الزيادة الأعلى بين أسعار المواد الأولية. ولهذا فمن المؤكد أن ارتفاع أسعار النفط هذه الأيام لا يحدث بصورة منفردة، ولكنه يجري منسجماً مع المتغيرات الاقتصادية بشكلٍ عام، التي تتمثل بصورة أساسية بارتفاع الطلب العالمي على المواد الأولية.
واستنادا إلى بيانات البنك الدولي جدول (3)، ارتفعت متوسطات أسعار كثير من السلع الزراعية لشهر تشرين الأول (أكتوبر) 2007م مقارنةً بمتوسطات أسعارها لعام 2005م. فقد ارتفعت أسعار الشاي، زيت فول الصويا، فول الصويا، الذرة الصفراء، الذرة، الأرز، القمح، والبرتقال خلال العامين الماضيين. وشهدت أسعار زيت فول الصويا، الذرة، الذرة الصفراء، والقمح أشد الارتفاعات وذلك في تشرين الأول (أكتوبر) 2007م مقارنةً بمتوسط عام 2005م. وشهد السكر ارتفاعاً قوياً في أسعاره في عام 2006م بلغ نسبة 37.5 في المائة، ولكن نمو أسعاره تباطأ بل إن أسعاره شهدت بعض التراجع في عام 2007م.
ودفع ارتفاع أسعار السلع الأولية بأسعار المستهلكين في جميع أنحاء العالم إلى الأعلى، حيث ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية ذات العلاقة بكل منتج أولي. وكانت التغيرات في أسعار المستهلكين أقل من ارتفاعات مستويات أسعار المنتجين. وينتج التباين بين مستويي ارتفاع أسعار المنتجين والمستهلكين عن تأثير العوامل الأخرى الداخلة في تكاليف إنتاج وتجهيز المواد الاستهلاكية. والعوامل الأخرى المسببة لهذا التباين تتركز في درجة تصنيع وتجهيز المواد ورواتب العمالة والمنافسة بين الشركات.

أسباب ارتفاع المواد الغذائية

أسهم ارتفاع أسعار المواد الأولية، التي من أهمها السلع الزراعية، في رفع الأرقام القياسية لتكاليف الاستهلاك في المملكة. ويرجع ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية على المستوى العالمي إلى عدة أسباب أسهمت كلها في رفع أسعار المواد الغذائية في الأعوام الماضية، وستسهم في حالة استمرارها في دفع أسعار المواد الغذائية إلى الارتفاع خلال الأعوام المقبلة. وأهم هذه الأسباب:
1 - ارتفاع أسعار الطاقة الذي رفع أسعار المنتجات الزراعية من جانبي العرض والطلب. فمن جانب العرض دفع ارتفاع أسعار الوقود تكاليف الإنتاج إلى الأعلى، حيث يعتبر القطاع الزراعي من أكثر القطاعات الاقتصادية كثافةً في استخدام الطاقة. كما رفعت زيادة أسعار الغاز الطبيعي والنفط أسعار الأسمدة والمبيدات الحشرية التي تستخدم في الإنتاج الزراعي، وزاد ارتفاع أسعار الطاقة أيضا تكاليف التبريد والتخزين والنقل. وأسهمت كل هذه العوامل مجتمعة برفع تكاليف إنتاج المواد الزراعية. ومن جانب الطلب أدى ارتفاع أسعار المنتجات النفطية إلى رفع الطلب على بعض السلع الزراعية وخصوصاً السكر والذرة الصفراء لإنتاج الإيثانول. فقد رفع التوسع في استخدام السكر في البرازيل لإنتاج الإيثانول، أسعار السكر على مستوى العالم في عام 2006م. وأدى تشجيع استخدام الذرة لإنتاج الإيثانول في الولايات المتحدة إلى توجيه جزء كبير من إنتاج الذرة الصفراء في الولايات المتحدة لإنتاج الإيثانول. ويعتقد أن خُمس إنتاج الولايات المتحدة من الذرة الصفراء يستخدم في إنتاج الإيثانول، حيث يخلط مع البنزين لإنتاج وقود للسيارات. ونتج عن ارتفاع الطلب وتكاليف إنتاج الحبوب، ارتفاع أسعار الأعلاف الذي رفع بدوره تكاليف إنتاج اللحوم والدجاج والبيض والألبان ومنتجاتها.
2 - رفع النمو السكاني والاقتصادي، خصوصاً في آسيا، الطلب على الغذاء والمنتجات الأولية الأخرى على المستوى العالمي. ونتج عن نجاح الصين والهند في خفض معدلات الفقر وارتفاع معدلات الأجور، رفع مستوى ونوعية الطلب على الأغذية. وارتفع بالتالي الطلب فيهما على الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية، خصوصاً اللحوم. وأسهم انتشار إنفلونزا الطيور في توجيه المزيد من الطلب على اللحوم الحمراء بدلاً من لحم الدجاج. ومن المعروف أن إنتاج اللحوم الحمراء يتطلب كميات كبيرة من الأعلاف تفوق الكميات المطلوبة لإنتاج لحوم الدجاج. ونتج عن هذا كله رفع الطلب على الأعلاف والحبوب مما دفع بأسعارها إلى الأعلى.
3 - أدى ارتفاع الطلب على الحبوب إلى خفض مخزونها، فمخزون القمح في الوقت الحالي يعتبر في أدنى مستوى له خلال 30 عاماً الأخيرة. كما يقدر أن الإنتاج العالمي من الأرز هذا العام سيقل عن الطلب. وتتأثر أسعار المواد الغذائية، خصوصاً الحبوب بشدة ببيانات مستويات المخزون، فانخفاض بيانات مخزونات الحبوب أعطى إشارات قوية للأسوق لرفع أسعارها.
4 - هناك شواهد على حدوث تغير مناخي في أرجاء المعمورة. وقد أثر التغير المناخي بصورة سلبية في مستوى الإنتاج الزراعي العالمي.
5 - رفع النمو السكاني الطلب على الأراضي من أجل توسع الحياة الحضرية. وقاد توسع الحياة الحضرية إلى خفض الأراضي المخصصة للزراعة، فالصين مثلاً تخسر أراضي زراعية لإغراض التوسع السكاني تعادل مساحات دول صغيرة. وكان من الأجدى أن تضيف الصين المزيد من الأراضي الزراعية بدلاً من خسارتها للتطور العمراني، وذلك لتلبية الطلب المتزايد على الطعام فيها. من ناحيةٍ أخرى، أدى الاستخدام الطويل للتربة إلى تدني نوعية التربة المنتجة في أصقاع كثيرة من المعمورة.
6 - رفع انخفاض أسعار الدولار الأمريكي مقابل اليورو وبعض العملات الأخرى تكاليف الإنتاج في الدول التي ارتفعت عملاتها مقابل الدولار. وأهم الدول التي ارتفعت عملاتها هي دول منطقة اليورو والدول المرتبطة باليورو. كما ارتفعت معدلات صرف عملات دول رئيسية منتجة للأغذية على المستوى العالمي ولكن بصورة أقل وأهمها الصين والهند.

الدعم المحلي يخفض أثر ارتفاع الأسعار العالمي

خفف الدعم الموجه محلياً لبعض السلع الزراعية المستوردة والمنتجة محلياً من فورة الأسعار العالمية وتأثيرها في المستهلك. فقد حجب الدعم المقدم للقمح في المملكة على مستويي الإنتاج والاستهلاك، تأثير ارتفاع أسعار القمح العالمي في المستهلك المحلي. فقد تضاعف تقريباً سعر القمح خلال العامين الماضيين، ولو مررت الزيادة في أسعار القمح إلى المستهلك لأدى ذلك إلى ارتفاع قوي في أسعار الخبز ومنتجاته، ولكن الدعم الذي توفره المملكة وتثبيت أسعار الخبز منعا تمرير زيادة التكاليف إلى الأسعار. من جهةٍ أخرى، خفف الدعم الكبير المقدم لمستوردي الشعير والأعلاف الأخرى من ارتفاع أسعار هذه المواد في السوق المحلية، وأدى بدوره إلى الحد من ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن المنتجة محلياً، التي تمثل جزءا مهماً من سلة استهلاك الفرد في المملكة. كما لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال تجاهل الأثر الإيجابي لتثبيت أسعار المشتقات النفطية على تكاليف المنتجات الزراعية المحلية. فقد أسهم تثبيت أسعار المنتجات النفطية المحلية وأسعار الطاقة الكهربائية في دعم الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، وإعطائه ميزة تنافسية في مواجهة السلع الزراعية والصناعية المستوردة.
وختاماً يعتقد الكثير من الاقتصاديين أن التضخم في أسعار المواد الغذائية الذي بدأ منذ فترة ليس حدثاً طارئاً أو استثنائيا، وإنما هو وليد تغيرات في الاقتصاد العالمي، ومن المرجح أن بستمر لفترة من الزمن. فأسعار المواد الزراعية ارتفعت خلال الأعوام الـ 30 الماضية بوتيرة أقل من ارتفاع أسعار المواد والخدمات الأخرى. ولهذا فمن المرجع أن تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار خلال السنوات المقبلة للحاق بمعدلات أسعار المواد والخدمات الأخرى، والله أعلم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي