الإفصاح والشفافية طريق الأسهم السعودية إلى الاستثمار بدل المضاربة

الإفصاح والشفافية طريق الأسهم السعودية إلى الاستثمار بدل المضاربة

أجمع عدد من المحللين في سوق الأسهم السعودية على أن ضعف ثقافة المضاربين والمتعاملين في سوق الأسهم يشكل عائقا لاستمرار انضباط السوق الإيجابي.
ومعلوم أن سوق الأسهم السعودية تشهد بين الحين والآخر حركة انخفاض وصعود متباينين رغم استمرار تدفق أرباح الشركات الكبيرة.
وقال الدكتور ياسين جفري المحلل المالي في سوق المال السعودية والمحلل الدكتور طارق البسام والسيدة ريم أسعد المصرفية والخبيرة بسوق المال إن ثقافة وسلوك المتعاملين في سوق الأسهم السعودية تحدد عوامل انضباط السوق متفقين على حاجة السوق إلى مزيد من الجرعات التثقيفية.
وأرجع الدكتور ياسين الجفري المحلل الاقتصادي وعميد كلية الأمير سلطان أسباب ذلك إلى غياب عملية النصح والإرشاد في السوق من زاوية وتقديم دراسات متكاملة عن اتجاهات السوق والقوى الرئيسية فيها بسبب وجود توجه سابق من مؤسسة النقد عندما كانت مديرة للسوق في منع تقديم المشورة المباشرة والتوصية المباشرة. ومع ظهور الهيئة واندفاع المواطنين للسوق وزيادة عددهم مع دخول سيولة مباشرة كبيرة وغير مباشرة من البنوك أدى إلى التأثير السلبي وتتبع الناس فئة استطاعت التحكم في السيولة وتوجيه الأسعار فيه.
واستبعد الجفري أن تكون هناك تصرفات مجنونة من قبل بعض المضاربين بقوله "لا يعتبر الناس مجانين بقدر بحثهم عن الوسيلة التي يحققون من خلفها أرباحا. وقد اعتاد المواطنون على تتبع المضاربين وعند الصعود كان الكل مستفيدا ولفترة طويلة (ثلاث سنوات). وبالتالي وحسب سياسة القطيع واتباع الزعيم لا توجد عقلية أو منطق في التصرف.
من جهته، قال المحلل طارق البسام إن تحليل القيمة الأساسية للسهم يستند إلى تحليل سلوك الآخرين في السوق.
وبين البسام أن حركة البيع والشراء الطبيعية عملية نفسية تحتاج إلى خبرات ومعلومات تعتمد على السلوك المحتمل للمتعامل.
ولفت البسام الانتباه إلى أن التشويش في الأسواق المالية يعود إلى ما يسمى بـ "نظرية المغفل الأعظم"، والتي تتلخص أن أحدا يمكن أن يكون مغفلا لأنه اشترى سهماً بسعر مرتفع، لكنه سيربح إذا وجد "مغفلين أعظم" مستعدين لشراء السهم بسعر أعلى، ومن هنا يأتي التشويش في الأسواق المالية.
من جهتها، وصفت السيدة ريم أسعد المصرفية والخبيرة في سوق المال سلوك المضاربين في سوق الأسهم السعودية أنه يتركز على قاعدة الكسب دون عناء. "الاقتصادية" طرحت جملة من القضايا على خبراء ومحللين في سوق الأسهم السعودية وخرجت بقراءة لصورة السوق الأسهم من خلال تصرفات وسلوكيات بعض المضاربين في السوق إلى تفاصيل القضية.

* يتردد حديث المحللين دائما عن سلوك المضاربين والمتعاملين في سوق الأسهم، وفي حالة هبوط السوق يرجع ذلك إلى سلوكياتهم وعدم إلمامهم .. هل الناس بحق مجانين في تصرفاتهم خلال حركة البيع والشراء على سهم ما؟
ياسين جفري: هناك غياب كامل لعملية النصح والإرشاد في السوق من زاوية تقديم دراسات متكاملة عن اتجاهات السوق والقوى الرئيسية فيها بسبب وجود توجه سابق من مؤسسة النقد عندما كانت مديرة للسوق في منع تقديم المشورة المباشرة والتوصية المباشرة. ومع ظهور الهيئة واندفاع المواطنين للسوق وزيادة عددهم مع دخول سيولة مباشرة كبيرة وغير مباشرة من البنوك أدى إلى التأثير السلبي وتتبع الناس لفئة استطاعت التحكم في السيولة وتوجيه الأسعار فيها.
لا يعتبر الناس مجانين بقدر بحثهم عن الوسيلة التي يحققون من خلفها أرباحا. وقد اعتاد المواطنون على تتبع المضاربين وعند الصعود كان الكل مستفيدا ولفترة طويلة (ثلاث سنوات). وبالتالي وحسب سياسة القطيع واتباع الزعيم لا توجد عقلية أو منطق في التصرف.
طارق البسام: لا يمكن وصف الناس في السوق على تصرفاتهم بأنهم مجانين ولكن حركة البيع والشراء الطبيعية عملية نفسية تحتاج إلى خبرات ومعلومات تعتمد على السلوك المحتمل للمتعامل، ولا يمكن وصفها بالجنون ولكن يمكن وصفها بالنظريات والوسائل ومن ضمن هذه النظريات هنا، نظرية المضاربة في سوق الأسهم التي تأخذ في الاعتبار أن المتاجرة في أسواق الأوراق المالية لا تقوم على تحليل القيمة الأساسية للسهم فقط، بل تستند أيضاً إلى تحليل سلوك الآخرين في السوق، فإذا كان المشترون الأسهم واثقين من أن آخرين ســيشــترون الأسهم بأسعار أعلى من الأسعار التي دفعوها، فإن المشترين سيحصــلون على الأسهم حتى لو كانت لها قيـــمة ضئيلة عندهم وهذه الفكرة التي تستند إلى شراء سهم حتى لو كان سعره مرتفعاً وبعيداً عن قيمته الأساسية لأن أحداً ما سيشتريه بسعر أعلى، وتسمى "نظرية المغفل الأعظم"، والتي تتلخص في أن أحدا يمكن أن يكون مغفلا لأنه اشترى سهماً بسعر مرتفع، لكنه سوف يربح إذا وجد "مغفلين أعظم" مستعدين لشراء السهم بسعر أعلى، ومن هنا يأتي التشويش في الأسواق المالية.
ريم أسعد: لست متأكدة إن كنت تقصد التصرفات الشخصية في صالات التداول أم السلوك نحو امتلاك الأسهم وبيعها. في رأيي يتفاوت سلوك المستثمرين تجاه الأسهم حسب أهدافهم الاستثمارية، لكن الغالب على سوق الأسهم السعودية منذ إدراج نظام تداول وتوافر خدمات الوساطة هو "المضاربة"، حيث كانت وسيلة سهلة للكسب دون عناء بدني يذكر.
وبما أننا نتحدث عن السلوك فلنأخذ مثالاً آخر: أغلب الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية في المملكة هي عقارية أو في الاستيراد والتصدير وإن فاقت الأولى الثانية اليوم، ونلاحظ أن استئجار المساكن هو الغالب، حيث لا طاقة لأكثر المواطنين بتملك السكن. إن عملية البناء والتعمير للتأجير هي في حد ذاتها تجارة بلا تعب مقارنة بأنشطة الصناعة والسياحة والعلاج والتي تتطلب قدرات وتكاليف تشغيلية عالية. إذن فنظرتي الشخصية لغالبية (وليس كلّ) المستثمرين السعوديين هي اندفاعهم نحو الكسب بأقل مشقة ممكنة وهذا تجلّى بوضوح في سوق الأسهم، ومن ثمّ انعكس على سلوكهم الاستهلاكي فارتفعت معدلات السياحة الخارجية بقوة في العامين الماضيين وارتفعت القوة الشرائية وغيرها (لأن ما يأتي بسهولة يتبدد بسهولة... وهكذا)، بالطبع هذه رؤيتي الشخصية وبشكل عام: المستثمر السعودي العادي يتميز بقصر مداه الاستثماري وغلبة العجلة على سلوكه وأدائه.

* لماذا يوضع المستثمر الصغير دائما شماعة تدني السوق؟
ياسين جفري: المستثمر الصغير هو محور السوق ويمثل عدد محافظه وحجم استثماراته غالبية الاستثمارات في السوق ويعتبر قوة مؤثرة وموجهة للسوق. ونظرا لعدم وجود رؤية واضحة له وتصرفاته تحكمها رغبته في تحقيق السعر والتعويض، أصبح هو محور أو شماعة السوق. ولكن ننسى أن هناك واجبا أمام الهيئة ليس في حمايته فقط وإنما في مساعدته على اتخاذ القرار الصحيح. وتركت الهيئة القضية حتى تقوم شركات الوساطة بدورها في تنمية الوعي الاستثماري ولا تزال الساحة خالية إلا من تقارير تقدم من خارج الحدود ودرجة المسؤولية والمسألة منخفضة فيها ويري البعض أن لها أهدافا أخرى غير معلنة.
طارق البسام: ضعف وعي الكثير من المساهمين الصغار ينعكس على السوق سلبا، حيث إن صغار المساهمين كمجموعة لهم أثر كبير في سوق الأسهم فلولاهم لما وصلت أحجام التداول إلى ما وصلت إليه ولما بلغت أسعار الأسهم مستوياتها الحالية، ويغلب على تصرفاتهم (ظاهرة القطيع ) بالتقليد والاتباع وهم وقود الإشاعات وهذا ما يضاعف من أثر بعض العوامل سواء كانت إيجابية أو سلبية، إضافة إلى أن المستثمر الصغير أول من يهرب في حال الانخفاض خوفا على مدخراته وهذا يضاعف من الانخفاض فيسبب إرباكا للسوق ويجعلها أكثر تذبذبا وتأثرا، وبزيادة وعي صغار المستثمرين سينعكس على قدرتهم على الصبر والانتظار والتحرك على أسس صحيحة في الوقت الصحيح.
ريم أسعد: لا أعتقد ذلك، بل من الأمور التي طالما صرحت بها هي مجموعات من الهوامير تغلب في رسملة سوق الأسهم، وكأنها لعبة يتداولونها بينهم، وقد قمت بوضع مجموعة من الاقتراحات في مقالات سابقة من شأنها أن تسهم في تطوير سوق الأسهم، وقلت كذلك (العام الماضي تحديداً) إن سوق الأسهم تحتاج إلى ثلاث أو أربع سنوات على الأقل لتستعيد نموها الطبيعي ـ وليس الارتفاع الحاد غير المبرر، وأكرر ما قد خسره الصغار في المضي يصعب تعويضه في فترة قصيرة. أنا لا أعلق مشكلات السوق نهائياً على الصغار، بل أنا أحذر صغار المستثمرين من التعامل مع السوق على أنها وسيلة للكسب دون الكد والعمل الحقيقي. كذلك حذرت المستثمرين بشدة من عمل تكتلات جماعية تشكل هامورا يبتلع مدخراتهم بغير رجعة وعدم الاندفاع وراء "نصائح الأصدقاء والزملاء" الذين حققوا أرباحاً قياسية في فترات قصيرة فهي موجة قصيرة المدى وغالباً ما تنتهي نهاية موجعة. أكرر على المستثمرين الصغار الابتعاد عن المضاربة في سوق الأسهم بأموالهم التي يحتاجون إليها لأن المكاسب التي قد يجنونها لا تبرر المخاطر المصاحبة.

* في حالة حدوث هبوط وتراجع في السوق لماذا يوصف المستثمر بأنه غير احترافي في التعامل مع السوق وتحميله القضية؟
ياسين جفري: الاحترافية تعود إلى عملية وأسس اتخاذ القرار من زاوية البيع والشراء ولعل اتجاه البعض حول تتبع خطى المضاربين أو عملهم كمجموعات تنسق مع بعضها من خلال الشبكة العنكبوتية، وأصبحت الحركة جماعية تهدف إلى رفع السعر أكثر من كونها استثمارا مدروسا وله أهداف واضحة تعتمد على متغيرات السوق وعلى واقع اقتصادي مقبول. فالأسلوب والنهج الحالي يؤثر في مصداقية التعامل بين السوق والمستثمرين. حيث إن حركة السعر تتحكم فيها رغبات وأهواء أفراد ومع الصعود يحقق الكل أهدافهم ولكن إمكانية استمرار السعر عند المستويات المرتفعة غير ممكنة. ومع هبوط السعر يعلق جزء منهم في انتظار دورة أخرى حتى يخرج من التعليق خاصة إذا دخل متأخرا.
طارق البسام: كيف يوصف المستثمر بأنه غير احترافي في التعامل مع السوق وتحميله القضية في حين أن السوق بحاجة إلى تحسين المعايير التي تحكمه، ولجعل السوق تمتلك فرصة أفضل لجذب الاستثمارات الحقيقية، وتطبيق القرارات والمعايير المحاسبية والنظامية على الشركات الذي سيساعد على إحداث نقلة مهمة في السوق لمنح المساهمين الثقة في سوقهم، ولن تعم الاحترافية في السوق إلا بإلزام جميع الشركات المدرجة في السوق بالقدر اللازم من الإفصاح والشفافية والالتزام بأنظمة السوق المالية، وذلك مما قد يساعد على أن تعم الاحترافية في السوق وتؤهلها بالتوجه من سوق مضاربة إلى سوق استثمارية يتم اتخاذ القرار فيها استناداً إلى الاحترافية باستخدام المعلومات المالية الصحيحة، وبعد ذلك يمكن تمييز المستثمر الاحترافي من غير الاحترافي.

* كما تم من قبل معاقبة كبار المضاربين هل تؤيد معاقبة صغار المضاربين أو إيقافهم عن دخول السوق؟
ياسين جفري:لا أعتقد أن صغار المساهمين يمكن أن يعاقبوا لأنهم دوما هم الضحية وهم من يقعون في سوء أعمالهم ويدفعون الثمن. ولولا دخولهم السوق واندفاعهم خلف المضاربين لما تمكن المضاربون من تحقيق أهدافهم ورفع السعر والخروج قبل الهبوط ليعلق غيرهم بها. وليس من العادة معاقبة الضحية وإنما معاقبة من ارتكب الجرم حتى تتزن الأمور. ولا أعتقد أن إيقاف صغار المستثمرين سيحل المشكلة وإنما سيزيد من تأزيم الوضع لأن الضحية تتعرض لمزيد من العقاب (دمار وخراب بيوت). والعقاب لن يمنع صغار المستثمرين من التوقف عن كونهم وقودا لكبار المضاربين، كما أنه من الصعب معاقبة السواد الأعظم فحجم تعاملات الأفراد لا يعد كبيرا أو ملحوظا إلا إذا بدأنا في العقاب الجماعي وهو وضع غير مقبول أو منطقي خاصة أننا نرغب في حمايتهم وليس تحميلهم وزر غيرهم.
طارق البسام: استمرار هيئة السوق المالية في هذا النهج الصارم في تطبيق مواد النظام واللوائح التنفيذية في معاقبة كبار المضاربين وصغار المضاربين على حد سواء مطلوب، ومن شأنه أن يرسّخ الكثير من الإيجابيات التي تنعكس إيجاباً على مستوى الثقة بالسوق ولإحداث نقلة نوعية في هيكلية السوق، ودعمها بالسير على المسار الصحيح الذي يتجها بها إلى مناطق أكثر متانةً وتطوراً.
ريم أسعد: أؤيد معاقبة المضارب الذي يؤثر سلوكه في سوق الأسهم مباشرة وغالباً ما يكون هامورا كبيرا أو مجموعة من التكتلات التي تشكل قوة مؤثرة في السوق. كذلك أطالب بمعاقبة ناشري الإشاعات في المنتديات ورسائل الجوال. وقد وصلتني أنا بالمناسبة بعض هذه الرسائل التي تدعو إلى "شراء التوصيات" وتعطي رقم جوال محدد للاتصال، وعلى الفور أقوم بتحويلها إلى الجهة المختصة في هيئة سوق المال لاتخاذ الإجراء المناسب، وأدعو كل من تصله مثل هذه الرسائل والتوصيات في الإنترنت إلى التبليغ عنها.
من جهة أخرى، أطالب هيئة سوق المال بتأسيس خط مجاني لاستقبال الشكاوى والبلاغات وذلك للإسهام في القضاء على هذه الأنشطة الهدّامة، فإذا اشترك الجميع في مسؤولية الحماية لأصبح لدينا وعي استثماري جيد ومعرفة بحقوقنا والتزاماتنا.

الأكثر قراءة