تقييد أوقات العمل
هناك حديث عن مناقشة مجلس الشورى مشروع قرار يفرض قيوداً على أوقات العمل. وتتركز فكرة القرار على إلزام بعض المنشآت الاقتصادية بوقف أنشطتها خلال أوقات معينة. وبغض النظر عن التفاصيل, فإنه يبدو أن مشروع القرار المقترح يهدف إلى تحسين بيئة العمل من خلال خفض ساعات العمل بعدة ساعات، بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام المنشآت لممارسة أعمالها على مدى 24 ساعة في اليوم. ويهدف مشروع القرار ضمنياً إلى تمكين العمالة السعودية من العمل ومنافسة العمالة الأجنبية التي بإمكانها العمل لساعات طويلة بسبب قلة التزاماتها العائلية, ويهدف أيضاً إلى تغيير بعض السلوكيات الاجتماعية المتمثلة في الميل المتزايد لدى كثير من السكان إلى السهر لساعات طويلة.
وفي المقابل ربما يترتب على مشروع هذا القرار في حالة تطبيقه العديد من الجوانب السلبية. فمن المتوقع أن يؤدي تبنيه إلى خفض ساعات العمل المطلوبة من قبل بعض المنشآت, وبالتالي خفض ناتج تلك المنشآت وخفض طلبها على ساعات العمل وخفض الطلب على العمالة ورفع مستويات البطالة. وآخر ما تحتاج إليه المملكة هو اتخاذ أي قرار يقود إلى خفض فرص العمل المتاحة أمام المواطنين. وسينتج عن تحديد ساعات العمل الحد من حرية الأعمال في ممارسة أنشطتها, وسيحد أيضا من خيارات المستهلكين والمنتجين الزمنية في الحصول على احتياجاتهم من السلع أو الخدمات. وينبغي أن يراعي قرار تحديد ساعات العمل الاختلافات الكبيرة في أوقات أنشطة المنشآت, فبعض المنشآت تنشط في أول النهار أو في ساعات متأخرة من الليل، بينما تنشط الأخرى في النصف الثاني من النهار أو في المساء. وتختلف طبيعة المنشآت عن بعضها بعضا في أوقات أعمالها, فهناك حاجة إلى بقاء بعض المنشآت لساعات متأخرة أو على الأقل جزء منها. كما أن على القرار أن يأخذ في الحسبان الاختلاف الكبير بين أنشطة الأعمال في مناطق المملكة. فالمدن الكبيرة كالرياض, جدة, والدمام, غدت مدنا لا تنام في هذه الأيام، وهو ما يستدعي بقاء العديد من المنشآت عاملةً لفترات طويلة. وتميل المنشآت في المدن الأصغر والقرى إلى الإغلاق مبكراً وذلك بسبب انخفاض مستويات النشاط الاقتصادي. وينبغي أن يراعي مشروع القرار التباين بين أجزاء المدينة الواحدة, التي تتطلب استمرارية بعض المنشآت في أنشطتها ساعات طويلة خلال أيام الأسبوع أو إجازة آخر الأسبوع، وذلك بسبب تركز الأنشطة في مناطق محددة من المدينة الواحدة. ولا ينبغي إغفال وجود خصوصية لبعض الأماكن واحتياجها إلى استمرار أنشطة بعض المنشآت طوال الوقت, وأخص بهذا منطقة الحرمين الشريفين وكذلك المطارات والمنافذ الأخرى البحرية والجوية. كما ينبغي اعتبار التباين في المواسم الاقتصادية أو السياحية للمدن، والتباين في ظروف المدن المناخية صيفاً أو شتاء. كما لا ينبغي إغفال تأثر أنشطة المنشآت بالدورة الاقتصادية, فوجود طفرة اقتصادية يرفع من حاجة المنشآت إلى العمل لساعات أطول بينما قد تضطر المنشآت إلى تقليص أوقات أعمالها في حالات التباطؤ الاقتصادي.
وإضافة إلى ما سبق، فإن فرض قيود على أوقات أنشطة المنشآت سيقلل من قدرة المنشآت على تحقيق الكفاءة في الإنتاج ويرفع حجم التكاليف التي تتحملها. وسيؤدي فرض قيود على أوقات العمل إلى حرمان بعض المنشآت من بعض المبيعات أو تعطيل الإنتاج أو منع الحصول على احتياجاتها في بعض الأوقات مما سيخفض الأرباح أو يرفع التكاليف. ولهذا ينبغي قبل اتخاذ قرار منع بعض المنشآت من ممارسة أنشطتها خلال وقت معين، النظر في كل الاعتبارات أو الآثار السلبية التي ربما تنتج عن تطبيقه. ويبدو أن ترك المجال مفتوحاً أمام المنشآت الاقتصادية لتحديد أوقات أنشطتها هو الأصوب، حيث ستقوم المنشآت الاقتصادية بتحديد أوقات أعمالها المعظمة لمستوى أرباحها. وإذا كانت هناك ضرورة قصوى لفرض قيود على أوقات العمل فينبغي أن تمنح السلطات المحلية في المدن أو البلديات خيارات واسعة لتحديد ما يتناسب مع ظروفها.